د. عثمان البشرى
لعلنا من أكثر شعوب الأرض -بمشارقها ومغاربها- تعاطيًا للفعل السياسي لا يتخلف عن ركب ذلك الصغار والشباب والكهول، عن دراية كان ذلك وفهمًا يصل إلى حدِّ الإعجاز، أو جهلًا يتنزل بنا للحضيض وأسفل سافلين.
ففعل ساس يسوس ومدلولاتُها من المتناولات بكثرة في الحياة اليومية والواقع المعاش.
لا يخلو منتدى أو تجمع لأفراد أيًّا كانوا، حتى (المشاطات وستات الودع)، أصبحن يلتتن ويتعنعن في أمور التنمية المستدامة ومضاربها ودهاليزها.
أضحى قاموس السياسة السودانية، متفرّدًا في توليد مترادفات ومضادات لكثير من الكلمات، وكأن به معجمًا جديدًا.
ولا أدلَّ على ذلك إلا كلمة ديمقراطية والتي تضادها كلمة الدكتاتورية، ولكن لجسام الحادثات وعظائم الأمور وبلاويها وما حلَّ ويحل بالسودان، أصبحت كلمة العسكرية هي المضاد لها.
إذًا، أصبحت العسكرية صنوًا ومرادفًا للدكتاتورية، وحتى لا نعمم المفهوم بنحوٍ رغائبي، وبإلقاء نظرة عن ماهية الجيش السوداني لربما وجدنا بعض الإشارات لما ننحو له.
قوة دفاع السودان والتي كانت النواة للجيش السوداني، تكوّنت في العام 1925م، تحت إمرة الإنجليز، كعونٍ للشرطة وحماية الأمن الداخلي. تسودنت قوة دفاع السودان بتسلُّم الفريق أحمد محمد حمد الجعلي لرئاستها من القائد الإنجليزي، ومن ثم تحولها للجيش السوداني.
تأثرت المفاهيمية العسكرية بالبيئة السودانية الغنية بالمعرفة والخرافة، حيث كانت عوامل التقدير والشكر متغلغلة في الوجدان لدرجة تصل إلى حدِّ التقديس لفئة العسكر. انعكس ذلك بربط مفهوم الضبط والربط بالمؤسسة العسكرية دون سواها، في مقابل التفلُّت والفوضى من قِبل المدنيين، لذا سادت مقولة (انضبط يا مدني). يضاف إلى ذلك، أن التربية الأسرية في كثير من الأحيان قد تشابه العسكرية في تنزيل الأوامر والحزم (ربا أولاده تربية عسكرية).
تبع ذلك الموروث الشعبي والمحلي الذي تغنى كثيرًا بالعسكرية: "جنابو جاء وجنابو مشى".
مجموع ما ذكر آنفًا غذى في مَخيلة العسكريين ومؤسستهم، التمييز عن أفراد المجتمع -كأن في رأسهم ريشة- إلى درجة تفكير بعضهم بأنهم مبعوثون من العناية الأهلية لإنقاذ الوطن والسير به نحو التقدم والرفاه.
لذا كثيرًا ما اصطدمت عقلية العسكر مع المفهوم المدني، ظنًا بأن الحكم المدني سينتقص من شأنهم، وسينقض عليهم تشريدًا وتفكيكًا.
فتاريخ السودان الحديث كان حلقة متكررة من الصراع بين طبقتين، تولّدتا عقب الاستقلال، طبقة الأفندية وطبقة العسكر، واللتان ما برحتا تريان ألا تكامل بينهما بل تضادًا يصل لدرجة الغبينة، بالرغم من الفرصة الذهبية التي أتيحت للمعايشة، والوصول للأنموذج المتكامل إبان رئاسة الأميرالاي عبد الله خليل، فهو من ناحية عسكري قح، ومن أخرى سكرتير عام أهم الأحزاب السودانية (الأمة) وتنسمه لرئاسة الوزارة. إلا أن ذلك لم يحدث. بأن سعى لإزالة أسباب الجفوة المفتعلة، إلا أنه بحسن أو سوء للنية انحاز لأهل "كاره".
لذا، فإن هذه الحلقة الأفندية والعسكرية، لعبت دورًا بارزًا في وأد التجارب الديمقراطية، بوعي أو بدونه.
الشاهد، أن تجربة تنسم كثير من معاشيي المؤسسة العسكرية، قيادة الأحزاب السياسية، لم تثمر عن تفاهمات إيجابية، حيث كان حريٌّ به أن يسهم في إزالة التضاد، وإبقاء الفهم التعاوني لا التآمري بين الجانبين، ولكنهم ما فتئوا ذات تفكير الثكنة العسكرية للأحزاب والأوامرية وليس الحوارية.
يتبقى الذكر بأن مسألة إصلاح المؤسسة العسكرية برمتها ودمج الجيوش وغيرها من الترتيبات كإجراء فني، بظني أنه من السوابق للتصحيح. فما لم يتم غرس المفهوم الصحيح لدور العسكرية في نفوس المجندين والقادة على حدٍّ سواء وتكاملها لا تقطعها مع المدنية، ونزع ثوب القداسة عن المؤسسة العسكرية، سنظل نحرث في البحر وتتوالى الانقلابات وتضيع الديمقراطيات.




التعليقات (0)
جاري التحميل...