طاهر المعتصم
يُروى أن رجلًا حمل كيسًا من النقود إلى السوق ليشتري حمارًا، وبينما كان يتفاوض مع البائع اختفى الحمار وبقي كيس النقود. بحث الرجل عن حماره طويلًا، لكنه أدرك في النهاية أن ما فقده لم يكن الحمار، بل قيمة المال الذي يحمله.
تبدو هذه الحكاية اليوم أقرب إلى واقع الجنيه السوداني الذي يواصل رحلة التراجع أمام العملات الأجنبية حتى تجاوز الدولار حاجز (5.800) جنيه، وسط أحاديث متزايدة عن عزوف بعض المتعاملين في مناطق الإنتاج عن قبول العملة الوطنية أو تفضيل التعامل بالدولار والذهب. وعندما تبدأ العملة في فقدان ثقة الناس، فإن الأزمة تصبح أكبر من مجرد أرقام تتغير على شاشات الصرافات.
خلال مؤتمر صحفي عقدته الغرفة القومية لمستوردي المواد البترولية في بورتسودان هذا الأسبوع، كُشفت أرقام تستحق التوقف عندها طويلًا. فبحسب البيانات التي استندت إلى إحصاءات بنك السودان، بلغت صادرات الذهب خلال الربع الأول من العام الحالي (370) مليون دولار، بينما بلغت فاتورة استيراد الوقود (697) مليون دولار، أي بفجوة تمويلية تجاوزت (326) مليون دولار. ومؤكد أن قرار المركزي بوضع (200) كيلو جرام ذهبًا كضمان لشركات استيراد المحروقات زاد هذه الفجوة والتي -حدها- كانت كافية لخلق طلب إضافي وضاغط على النقد الأجنبي ودفع سعر الدولار إلى مستويات قياسية.
لكن الرقم الأكثر إثارة للقلق كان حديث الغرفة عن إنتاج السودان لنحو (سبعين طناً من الذهب) خلال العام الماضي، مقابل تصدير رسمي لا يتجاوز (أربعة عشر طنًا فقط)، أي أن (ستة وخمسين طنًا) من الذهب ظلت خارج القنوات الرسمية، بقيمة تتجاوز (سبعة مليارات دولار). وهو مبلغ يكفي، بحسب المتحدثين في المؤتمر، لتغطية احتياجات البلاد من الوقود والقمح والدواء لعام كامل.
وفي الوقت الذي تتسرب فيه موارد الذهب بعيدًا عن الخزينة العامة، يطلق مزارعو الجزيرة والمناقل، تحذيرات متكررة من انهيار الإنتاج الزراعي بسبب العطش وارتفاع الرسوم وتدهور خدمات الري وغياب التمويل. والنتيجة النهائية هي اقتصاد يفقد أهم مصدرين للنقد الأجنبي: الذهب والزراعة.
المشكلة ليست في ندرة الموارد، وإنما في سوء إدارتها وانعدام الشفافية والفساد. فالذهب يضيع بين التهريب وضعف السياسات، والزراعة تتراجع تحت وطأة الإهمال، والجنيه يدفع الثمن كل يوم، والمتأثر هو المواطن السوداني، وما لم تتحرك الحكومة -أشك أن تتحرك- لمعالجة جذور الأزمة لا مظاهرها، فإن السؤال لن يكون عن سعر الدولار القادم، بل عن مستقبل العملة الوطنية نفسها.




التعليقات (0)
جاري التحميل...