طاهر المعتصم

ليست العلاقات بين الشعوب بيانات رسمية ولا اتفاقيات تُوقَّع في القاعات، بل مواقف إنسانية تكشف معدن الناس، وتبقى في الذاكرة أطول من كثير من الخطب.

خلال الفترة الماضية، شهدت مصر واقعتين تستحقان التوقف عندهما، لا لمجرد ما تحملانه من مشاعر إنسانية، بل لما تكشفانه من معاني الأخوة حين تضع الحياة الناس أمام امتحان حقيقي.

في الواقعة الأولى، رحلت امرأة سودانية خلال رحلة بالقطار في مصر، تاركة وراءها خمسة أطفال وجدوا أنفسهم فجأة في مواجهة اليُتم والغربة. وفي لحظة تختلط فيها الصدمة بالخوف، بادرت أسرة مصرية إلى احتضان الأطفال ورعايتهم حتى وصول ذويهم. لم تنتظر الأسرة طلبًا، ولم تشترط مقابلًا، بل استجابت لنداء الضمير، وقدّمت درسًا بليغًا في المروءة حين يكون الأطفال أحوج ما يكونون إلى الأمان.

وفي الواقعة الثانية، عاشت أسرة المواطنة السودانية ولاء أبوبكر محمد النعيم خمسة أيام من القلق بعد اختفائها، قبل العثور عليها في مدينة طنطا لدى أسرة مصرية وعودتها إلى القاهرة سالمة، ولسان الأسرة يلهج بالثناء للأسرة المصرية التي آوتها، كانت عودتها نهاية لأيام ثقيلة على أسرتها، وشهادة تقدير لكل من شارك في البحث عنها وأسهم في الوصول إليها.

قد تبدو الواقعتان منفصلتين، لكنهما تلتقيان عند حقيقة واحدة: أن السودانيين في مصر ليسوا مجرد وافدين فرضت عليهم الحرب قسوة النزوح والغربة، بل بشر تجمعهم بالمصريين وشائج التاريخ والجوار والمصاهرة والعيش المشترك. وحين تشتد المحن، تتجلى قيمة هذه الروابط في المواقف، لا في الشعارات وحدها.

لا يعني ذلك أن تجربة الغربة تخلو من المشاق، لكن الإنصاف يقتضي ألا نمر على المواقف النبيلة مرورًا عابرًا، وألا نبخل بالشكر حين يستحقه أصحابه. فالأسرة التي آوت الأطفال، وكل من أسهم في العثور على ولاء، جسّدوا معنى أن يجد الإنسان في محنته يدًا تمتد إليه، وبيتًا يأمن فيه، وقلوبًا لا تسأله عن جنسيته قبل أن تنصره.

آخر قولي لا نملك إلا أن نقول لأهل مصر: شكرًا لكم، حكومةً وشعبًا، على كل موقف نبيل يخفف عن السودانيين قسوة الحرب والغربة. ولعل أبلغ ما نختم به استعادة كلمات تُنسب إلى السيدة زينب، في خطاب الامتنان لأهل مصر: ((يا أهل مصر، نصرتمونا نصركم الله، وآويتمونا آواكم الله، وأعنتمونا أعانكم الله)).

إنها كلمات تختصر معنى الوفاء، وتعيد التذكير بأن ما يجمع الشعوب من مروءة ومحبة قد يكون، في أزمنة المحن، أقوى من كل ما يفرقها.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...