عامر على الحاج

 

"إسلامي سابق" عند البعض وصمة وإساءة، وعند البعض الآخر مفتاح للترحيب بك في عالمهم. لكن المشكلة أن الصفة نفسها، بكلمة واحدة، مبهمة إلى درجة أنها تكاد تلتبس بالدين الإسلامي. فإذا كان المرء "إسلاميًا" لأن دينه الإسلام، فإن الخروج من حالة "إسلامي" لا يعود مفارقة سياسية أو فكرية، وإنما يبدو، في اللغة الملتبسة، كأنه خروج من الإسلام نفسه.

وهذا الالتباس ليس بريئًا تمامًا.

يشبه في شيء منه استخدام بعض السودانيين لكلمة "قحاتي" باعتبارها وصفًا جامعًا لكل من يختلف معهم: علماني، يساري، مناهض لحكم الدين في المجال العام، مؤيد للدعم السريع، أو حتى عميل لدولة أجنبية مثل الإمارات. تتحول الكلمة هنا من وصف سياسي محدد إلى صندوق تُلقى فيه كل الصفات التي يراد نفيها عن الآخر.

والشيء نفسه حدث مع كلمة "إسلامي".

فالإسلامي السوداني، بالمعنى السياسي والتاريخي، ليس هو المسلم، ولا هو بالضرورة الشخص الأكثر تدينًا، وإنما هو المنتمي إلى تيار سياسي محدد نشأ في السودان منذ خمسينيات القرن الماضي، وسعى إلى الوصول إلى سلطة الدولة الحديثة وفق خطة حديثة، مستخدمًا أدوات السياسة والتنظيم والعمل الحزبي، ثم انتهى به الأمر إلى انقلاب عسكري أقامه في قلب الدولة.

وهذه نقطة مهمة في فهم تاريخ الحركة الإسلامية السودانية.

فالحركة الإسلامية، مثلها مثل: مؤتمر الخريجين، والقوميين العرب، والشيوعيين، والليبراليين والاشتراكيين، وإلى حدٍّ كبير حزبي الأمة والاتحادي، هي ابنة زمانها. نشأت في مجتمع حديث نسبيًا، وفي مدارس وجامعات صنعتها الدولة الاستعمارية، ومن بين نخبة سودانية تشكلت داخل مؤسسات الحداثة التي أقامها الاحتلال البريطاني. ولذلك فإن كونها استلهمت الإسلام لا يجعلها أقل حداثة من خصومها السياسيين، ولا يجعلها امتدادًا بسيطًا لجماعات التدين السودانية القديمة.

وهنا يختلف تاريخها أيضًا عن تاريخ الطرق والجماعات الصوفية السودانية، التي كانت ثمرة قرون من التوطين والتحول داخل المجتمع السوداني، كما يختلف عن التيارات السلفية التي جاءت لاحقًا، والتي كان إهمال السياسة جزءًا من تكوينها الأول، قبل أن تضطرها تحولات العالم الإسلامي، خصوصًا بعد 11 سبتمبر، إلى مراجعة علاقتها بالدولة والسياسة.

لكن تجربة الحركة الإسلامية السودانية لا ينبغي أن تُقرأ فقط من خلال ما قالته قبل السلطة. الأهم هو ما فعلته حين أصبحت السلطة في يدها.

فمنذ انقلاب 1989، لم تعد الحركة أمام سؤال نظري عن علاقة الدين بالدولة، أو عن إمكان إقامة مجتمع إسلامي، أو عن صلاحية شعاراتها السياسية، أصبحت أمام تجربة كاملة في عالم واقعي لا يرحم: دولة، اقتصاد، جيش، مجتمع، حرب، فساد، علاقات دولية، معارضة، مصالح، وحقوق بشر.

وهنا حدث الاختبار الحقيقي.

كشفت ثلاثون عامًا من الحكم أن كثيرًا مما أُعدّ للحياة في مرحلة التنظيم والكفاح لم يكن صالحًا للحياة عندما أصبح هو نفسه مسؤولًا عن الحياة. وأن الفارق بين خطاب الحركة وهي خارج السلطة وممارستها وهي داخلها لم يكن تفصيلًا عابرًا، وإنما كان أزمة المشروع كلها.

ومع مرور السنوات، صار الحفاظ على السلطة هو الشرط الذي تُعلّق عليه كل القيم الأخرى.

كانت الفكرة في البداية أن السلطة وسيلة لا غنى عنها لإقامة ما تراه الحركة دينًا. ثم أصبح لا بدَّ من الحفاظ على السلطة حتى لا يضيع المشروع. ثم صار الحفاظ على السلطة مبررًا لتأجيل القيم، وتعطيل الشعارات، واحتمال الظلم، وتجاوز الحريات، وتبرير الحرب، وقبول الفساد، وإسكات المختلفين.

دائمًا كان هناك وعد بيوم قادم.

حين تستقر الدولة.

حين تنتهي الحرب.

حين يكتمل التمكين.

حين تتوفر الظروف.

حين نستطيع الإصلاح.

وهكذا صار المستقبل مبررًا دائمًا للحاضر، وصارت "الضرورة" قادرة على ابتلاع كل قيمة تخالف مقتضيات البقاء في الحكم.

ثم جاءت المفارقة الأكبر: السلطة التي قيل إنها مجرد أداة لخدمة الدين أصبحت، عمليًا، أعلى قيمة سياسية، وربما أعلى قيمة عملية داخل المشروع كله. صار الدين يُستدعى للدفاع عن السلطة، لا السلطة وحدها لخدمة الدين.

وهنا بالضبط ينبغي أن نفهم معنى "الإسلامي" بعد تجربة الإنقاذ.

ليست المشكلة أن شخصًا قرأ الإسلام سياسيًا، أو أراد أن يجعل الإسلام مصدرًا لقيم المجتمع، أو حتى آمن بإمكان قيام دولة تستلهم تعاليمه. هذه كلها مسائل فكرية وسياسية قابلة للنقاش.

المشكلة تبدأ حين تصبح السلطة هي القيمة التي لا يجوز خسارتها، ثم يُعاد ترتيب الدين والأخلاق والعدالة والحقيقة بما يحفظها.

عند هذه النقطة لا تعود السلطة أداة للدين؛ تصبح السلطة صنمًا يُستعان بالدين لحمايته.

ولذلك فإن "الإسلامي السابق" ليست -في نظري- صفة تستوجب الاحتقار، بل قد تكون، على العكس، واحدة من أكثر الصفات دلالة على المراجعة الإنسانية إذا كان صاحبها قد عاش التجربة، ورأى بأم عينيه الفرق بين الدين الذي يؤمن به والسلطة التي ادعت تمثيله.

الإسلامي السابق هو، في أفضل حالاته، شخص اكتشف أن الدين أكبر من الحركة، وأن الحركة ليست هي الدين، وأن الدولة ليست ملكًا لمن يحكمها، وأن السلطة ليست طريقًا مقدسًا إلى الحقيقة.

أما "الإسلامي" الذي أصر على الصفة بعد انكشاف التجربة كلها، فلا تكون المشكلة في كونه مسلمًا أو متدينًا أو مستلهمًا للإسلام في حياته؛ وإنما في إصراره على المشروع السياسي الذي أثبتت التجربة أن السلطة فيه ليست مجرد وسيلة، بل أصبحت غايته العليا.

لهذا ربما نحتاج إلى إعادة النظر في الكلمات التي نصف بها بعضنا بعضًا.

ليس كل مسلم "إسلاميًا"، كما أن ترك "الإسلامية" السياسية لا يعني ترك الإسلام.

وقد يكون أهم ما يمكن أن يخرج به "الإسلامي السابق" من تجربته ألا يخرج من الدين، وإنما أن يخرج من الخلط بين نفسه وبين الدين، وبين جماعته وبين الإسلام، وبين الدولة وبين رسالتها، وبين السلطة وبين الحق.

فحين يصبح طلب السلطة هو الدين، يصبح فقدانها هزيمة للإيمان.

أما حين يعود الدين دينًا، والسلطة سلطة، والإنسان إنسانًا، يصبح الخروج من "الإسلاموية" ليس خروجًا من الإسلام، بل ربما كان، بالنسبة إلى بعض الناس، أول خطوة للخروج من الوثن الذي صنعته السياسة باسم الدين.

 

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...