عمر النعيم عمر

لم تعد مشاهد القتل بين المسلمين حوادث معزولة نقرأ عنها ثم نمضي، فقد صارت مشهدًا يوميًا يتكرر حتى كاد القلب يعتاده. مسلم يوجّه سلاحه إلى أخيه المسلم ويحرص على إزهاق روحه، ومسلم آخر يتفرج ويتمنى لأخيه الهلاك لمجرد اختلاف في الرأي، وثالث يشتبه في إنسان أو يضيق بمزاجه فيقتله بلا تردد ثم يمضي في حياته كأن شيئًا لم يكن، ورابع يرى أن جماعة بأكملها لا تصلح للحوار ولا علاج لها إلا الاستئصال. وآخر ما شاهدناه في أم بادر، حيث أُعدم مواطنون عزّل بلا محكمة ولا جهة قضائية، بحجة السرقة أو الخلاف مع مسلحين قرروا أن يكونوا الخصم والحكم والجلاد في آن واحد.

وهنا يجب أن نسأل بصراحة من يحمل السلاح ويرفعه في وجه مسلم: كم أنت عائش في هذه الدنيا، وما قوتك أمام الله، وما قدرك حتى تخالف كلامه؟ أبلغ بك الأمر أن تحارب الله ورسوله وقد نهياك عن قتل النفس وعن سفك دم المسلم؟ قال تعالى: "ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدّ له عذابًا عظيمًا". وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم". وحين وقف عليه الصلاة والسلام عند الكعبة قال: "ما أطيبك وأطيب ريحك، ما أعظمك وأعظم حرمتك، والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمةً منك، ماله ودمه". فإذا كانت حرمة المؤمن أعظم من حرمة الكعبة، فما الذي بقي لمن يستبيح دمًا بلا بينة ولا حكم؟.

ثم من أنت لتفرض على الناس من يعيش ومن يموت؟ إن الذي خلق هؤلاء الناس هو الذي أمرك أن تتعايش معهم، وهو الذي خلقهم شعوبًا وقبائل متنوعة ومتعددة لحكمة يعلمها. فالتنوع في الفكر والرأي والقبيلة والمزاج ليس جريمة تستوجب القتل، وإنما هو سنة كونية أرادها الله. ومن ظن أن اختلاف الناس عنه مبرر لإفنائهم فقد اعترض على مشيئة الخالق في خلقه. وقد جعل الله القصاص والحدود لجهة قضائية عادلة تسمع وتتثبت وتحكم، ولم يجعلها لكل من حمل بندقية. والتثبت في الدم أصل عظيم، فكيف بمن يقتل على الظن والشبهة، بل على مجرد النفور؟

وقد يقول قائل إنها الفتنة، وإن المسلم قد يفتتن. نعم قد يفتتن المرء، لكن المفتون الحقيقي يضيق صدره بما يفعل ويلجأ إلى ربه أن يخرجه مما هو فيه ويرفع عنه البلاء. أما من يقتل بدم بارد ويكرر فعله ويواصل حياته مطمئنًا فليس مفتونًا، وإنما هو متعمد مصرٌّ عن سبق إصرار. وأخطر منه من يتخذ الفتنة ذريعة ليبرر لنفسه ما لا يبرَّر. وإثم المتفرج الذي يتمنى الهلاك لأخيه ويستبشر به ليس خفيفًا، فالقلب الذي يفرح بدم المسلم قلب يحتاج إلى مراجعة وعلاج.

ومن هنا، فإن علينا واجبًا شخصيًا قبل أن يكون جماعيًا. يجب أن نراجع علاقاتنا العامة والخاصة مع كلِّ من يحرص على قتل المسلم ويستبيح دمه، سواء كان قريبًا أم صديقًا أم زعيمًا أو ممولاً أو مبررًا. فمن يبرر القتل فهو شريك في المناخ الذي يولده، ومن يصفق للقاتل فقد منحه شرعية لا يستحقها. وعلى العلماء والدعاة أن يرفعوا أصواتهم بلا مجاملة، وعلى الإعلاميين أن يوثقوا الانتهاكات بأمانة، وعلى القبائل والأسر أن تنزع الغطاء الاجتماعي عن كل من يسفك الدم بغير حق، وعلى كل قادر أن يسعى في حماية الأبرياء وإغاثة المنكوبين ودعم أي مسار يفضي إلى محاسبة عادلة.

إن الأمة التي تتفرج على أبنائها وهم يُذبحون ثم تكتفي بالتحسر، ستجد الدائرة تتسع حتى تطال الجميع. فلنعالج ولا نتفرج، ولنقل للقاتل بصوت واحد إن هذا الدم حرام، وإن الله سائلك عنه، وإن التاريخ لن ينسى، وإن باب التوبة لا يزال مفتوحًا لمن عاد قبل أن يغلق عليه الباب.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...