عامر علي الحاج

 

ليست حرب 15 إبريل 2023م مجرد حلقة جديدة في سلسلة العنف السوداني، بل تبدو -في طبيعتها ومنطق إدارتها- حربًا خارج التاريخ السياسي السوداني نفسه. فقد أنزلت هذه الحرب دمارًا غير مسبوق بأهل السودان، وقطعت مع تقاليد -even إن كانت هشة أو متعثرة- ظلت تحكم مقاربة السودانيين للحروب والصراعات المسلحة عبر عقود طويلة.

إذا عدنا إلى التاريخ القريب، نجد أن السودان عرف أطول حرب أهلية مسجلة في إفريقيا، تلك التي دارت في جنوب السودان بين عامي 1955م و2005م. وبالرغم من قسوتها وطولها وكُلفتها الإنسانية الباهظة، فإنها لم تكن حربًا مغلقة بلا أفق. فقد ظل التفاوض حاضرًا، ولو ببطء وتقطع، بين سلطة الأمر الواقع في الخرطوم والحركات المسلحة في الجنوب. أفضت هذه العملية الطويلة إلى اتفاقيات متعددة، ولحظات سلام تفاوتت في مدتها وعمقها، لكنها أكدت مبدأً أساسيًا: أن الحرب، مهما طال أمدها، لا تلغي فكرة التفاوض ولا تسد باب التسوية.

النهج ذاته تكرر، مع اختلاف السياقات، في التعامل مع حرب دارفور منذ عام 2003م، وكذلك مع الصراعات المسلحة في جبال النوبة والنيل الأزرق. على المستوى المحلي، ظل منطق "التفاوض أثناء الحرب" حاضرًا بوصفه أداة واقعية لإدارة الصراع، لا تعبيرًا عن ضعف، بل اعترافًا بتعقيد الواقع واستحالة الحسم الكامل.

وعلى المستوى الدولي، يقدم المشهد الإقليمي والدولي شواهد أوضح على هذا المنطق. ففي الأحد 14 يونيو 2026م، تاريخ صدور هذا العدد من صحيفة "صوت الأمة"، يُعلن عن توقيع اتفاق بين واشنطن وطهران، يضع حدًّا لواحدة من أخطر أزمات الشرق الأوسط. أزمة هددت بالتحول إلى حرب شاملة ذات امتدادات جغرافية مفتوحة، وشهدت حشدًا عسكريًا غير مسبوق، ولغة عنف بلا سقف، وخطابات تتحدث صراحة عن "القضاء على الآخر". ومع ذلك، لم تتوقف المفاوضات يومًا واحدًا، ولم تُبنَ بنود الاتفاق المحتمل على وهم الإلغاء الكامل لأي طرف. بل دارت حول ما يمكن إنجازه، وما يمكن التوافق عليه، مع مراعاة حدٍّ أدنى من رضا الطرف الآخر، انطلاقًا من حقيقة بسيطة: كما أن الحرب تدور بين أطراف مختلفة، فإن السلام لا يُعقد إلا بين الأطراف نفسها.

في هذا السياق، تبدو حرب 15 أبريل 2023م نسيجًا فريدًا ومقلقًا. فهي حرب يعلن فيها بعض أطرافها رفضًا قاطعًا لمجرد الجلوس إلى مائدة تفاوض بين المقاتلين، ويتحول فيها الخلاف العسكري إلى عداء شامل، لا يقتصر على الخصم المسلح، بل يمتد ليشمل كل من لا يعلن انحيازًا صريحًا لطرف بعينه. الأخطر من ذلك أن هذا العداء الموسع يترافق مع عجز واضح عن إدارة حوار علني وشفاف، حتى داخل معسكر الحلفاء أنفسهم، بما يسمح بتشكيل خطاب موحد يمكن مخاطبة العالم به.

بدلًا من ذلك، تُدار الحرب سياسيًا وإعلاميًا عبر لعبة خطرة: مصادر إعلام غير رسمية، وصفقات تُبرم خلف أبواب مغلقة، وتسريبات صادرة عن جهات لا يمكن الركون إلى مصداقيتها. والنتيجة ليست فقط تآكل ما تبقى من ثقة في جدية الأطراف بشأن التفاوض، بل انهيار الثقة حتى في مطالبها المعلنة من الحرب ذاتها، في وقت تتسع فيه دائرة الضرر يومًا بعد يوم، وتغيب أية رؤية عقلانية لكيفية الخروج من هذا المسار المدمر.

بهذا المعنى، لا تبدو حرب 15 إبريل مجرد حرب بلا نهاية واضحة، بل حربًا بلا منطق سياسي، وبلا ذاكرة تاريخية، وبلا استعداد للاعتراف بأن السلام -مهما كان ناقصًا- أقل كلفة من استمرار حرب خرجت بالفعل عن التاريخ.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...