أبوهريرة زين العابدين عبد الحليم
في المقال السابق بعنوان "البرهان رئيساً"، وعدت بكتابة نفس الفكرة عن نصفه الآخر في الشمولية والدماء حميدتي. سوف أحاول مناقشة الفرضيات والادعاءات المختلفة للظاهرة الحميدتية، فأحياناً التاريخ يفسر الحاضر، والحاضر يفسر المستقبل في سيره وسيرورته وصيرورته، فكيف وصل من خمسة آلاف من القوات ليكون له جيش ونفوذ وأراد أن يصبح رئيساً لكي يحكم البلد ويقوم بمهمة "التحرير" من الإسلامويين والبرهانيين؟
فالرجل وجد نفسه في تناقضات سياسية وعسكرية جعلت منه فريقاً في الجيش وقائداً سياسياً، وهذا من مخلفات نظام البشير، حيث أراد البشير أن يخلق جسماً ليحسم له الحركات المسلحة ويحميه إذا انقلب عليه الجيش أو التنظيم الإسلاموي الإخواني الذي يسيطر على كل مفاصل الدولة وما زال.
فحميدتي بذكائه الفطري أدرك اللعبة وحاول أن يكون رقماً كبيراً طالما أنه يملك القوة لكي يحكم، فبدأ بتعليقات تتحدى الجيش والنظام الإنقاذي، فعند اعتقال المهدي عليه الرحمة، قال: "نقول امسكوا الصادق يمسكوا، فكوا الصادق فكو"، وقال: "لما الحكومة تعمل ليها جيش تكلمنا"، في تحدٍ واضح للجيش لأنه كان يعلم أنه وقواته من يؤمن النظام.
فحميدتي هو أسوأ تجلٍ لما يسمونه دولة ٥٦ بانقلاباتها وقمع الحكم العسكري للشعب، وليس المنقذ منها كما يدعي هو وأصدقاؤه الجدد، وظاهرة حميدتي هي آخر تمظهرات الحكم العسكري في صناعة ميليشيا لتحمي البشير وأدلجة الجيش وتسليسه من قبل حزب سياسي وإدخال السياسة وفكر التنظيم في كل مفاصله، وأصبح الضباط تجاراً ولا يوجد اهتمام بالعساكر، لذلك ترك العساكر الجيش وكانوا يتوسطون ليلتحقوا بالدعم لأن مخصصاتهم سوف تكون كبيرة، ويفوق راتب العسكري في الدعم راتب ضابط في الجيش، فهذا خلل كبير أبعد الجيش عن مهنيته وأصبح الجيش تاجراً وسياسياً، ولا توجد حرفية واهتمام بالتدريب والضبط، حتى إن هنالك ضباطاً من ذوي الرتب الكبيرة لهم حسابات في السوشيال ميديا وأصبحوا لايفاتية وهم في الخدمة في إخلال كبير بمبادئ العسكرية.
بعد ذلك جاءت حرب اليمن واختلف البشير مع السعودية وهددهم بإرجاع القوات، فقالوا له إنهم سوف يمنحونهم جنسيات سعودية ويفتحون لهم حسابات، وبالفعل أصبح تمويل قوات الدعم يذهب لحميدتي من قبل الإمارات والسعودية. وأيضاً اتفاقه مع الاتحاد الأوروبي فتح له باب تمويل وعلاقات تتجاوز الدولة البشيرية والبرهانية. وثالثة الأثافي أصبحت له ميزانية وشركات وتجارة، ودخل في مجال التنقيب عن الذهب عبر شراكات دولية مع فاغنر الروسية وغيرها، وأدخل أسرته وأصبح شقيقه عبد الرحيم نائبه الأول والقوني مسؤول المال وأصبح كارتيل أسري مافيوي، وفي إحدى المرات قال إنه يمول صفقات جازولين للحكومة.
لذلك فطبيعة الشمولية لا تقبل رأسين، وكان حتمياً وجلياً أنه سوف يحدث صدام في إطار ضعف المكون المدني إبان الانتقال وتركهم للمكون العسكري يمرح في الفضاء السياسي والاقتصادي والدبلوماسي وملأوا الفراغ، بعدها فكروا في التخلص من المكون المدني بإنقلاب، وبعد الانقلاب بدأ الخلاف بين البرهان وحميدتي، وفي بداية الانتقال قال البرهان: "ذهبت لحميدتي في نمرة ٢ وقلت له لا أدخل الحكومة الانتقالية بدونك"، وكان هذا مستوى الصداقة لأنهم عملا في دارفور سوياً وشاركا في الانتهاكات التي ارتكبت في دارفور.
في إطار الخلاف بعد انقلابهما على الحكم المدني، وبعد أن أصبح البرهان الحاكم بأمره وبنى حميدتي إمبراطورية اقتصادية عسكرية، أراد كل منهما أن يكون الرقم الأول لطبيعة العسكرية والشمولية، وكان الطرفان يحضران للحرب، وأذكر جيداً حديث الناس عن شراء حميدتي لمنازل كثيرة في مواقع استراتيجية وشراء صحافيين وأغدق الأموال على بعض السياسيين وأهداهم عربات وأيضاً للعمد والنظار، وكانت الاجتماعات والنقاش يدور حول الدمج حينها. فالطرفان يخترقان بعضهما البعض، وبدأت الحرب في هذه الأجواء بتغذيتها من الإسلامويين داخل الجيش والدعم، وكان تصريحاتهم واضحة بأنهم ضد الاتفاق الإطاري وسوف ينفذ على جثثهم، وبعد ذلك بدأت التدخلات الخارجية التي تغذي الحرب وتمنع إيقافها من الأطراف المختلفة بقيادة الإمارات الداعم الأكبر للدعم لتفعيل نفوذها الاقتصادي والأمني وفي إطار صراع إقليمي، حيث وقفت مصر وقطر وتركيا ودول أخرى مع الطرف الآخر، مما أدى لاستدامة الحرب لسنوات وتعقيدها، وفشلت كل المبادرات لإيقافها لأن الطرفين لا يملكون قرارهم، ولابد أن يوافق الكفيل المحلي أي الإسلامويين داعمي البرهان وداعمي الدعم، والكفيل الإقليمي للطرفين الذي يريد مصالحه والسيطرة على ثروات البلد المنهوبة من طرفي الحرب وأسيادهم الجدد.
لذلك أي محاولات للحديث عن أن حميدتي سوف يأتي بالديمقراطية والحرية حديث أقرب للجنون، وأول دليل عند تكوين تأسيس أصبح الرئيس مقابل الرئيس في الجانب الآخر أي البرهان. فما ارتكبه وقواته من انتهاكات ونهب كما الطرف الآخر في انتهاكاته يجعل من الصعب قبولهم في أي معادلة حكم، ولا يجب أن تسمح القوى المدنية بأي مشاركة عسكرية في أي انتقال أو أي معادلة حكم، فدخول العسكري في السياسة يفسدها وتفسده، ودخول السياسة في العسكرية تفسدها.
على القوى المدنية العمل على وقف الحرب وإبعاد البرهان وحميدتي من أي معادلة حكم مستقبلية، ويجب أن يحاسبا على الحرب وجرائمها. فحميدتي وادعاءاته أنه سوف يزيل الإسلامويين وحكمهم فهي مجرد فرضية يأس ولا يجب أن تفوت على أي حصيف، فهدفه ليس إزالتهم، بل في أن يكون رئيساً، وتلاعب ويتلاعب بالجميع ويغدق الأموال ويحاول أن يبني تحالفاً ومنظمة سياسية فشل في بنائها أو تكوين جناح سياسي برغم كثرة الأموال لأنه بلا فكر للتحرير الوطني، فهو أشبه بمحمد علي باشا عندما حاول أن يأتي بالقومية العربية ليحكم بها متأسياً بالحركة الطورانية. وكوّن حميدتي حكومة عبارة عن سكرتارية من بعض الأفندية عاطلي الوظيفة والفكر الذين يجهلون ما هو تاريخ التحرر الوطني الذي لا يمكن أن يقوده جاهل وسفاح أذاق السودانيين الويلات.
فشعبنا قادر على التخلص من الطغيان بشقيه البرهاني والحميدتاوي، ومهما طال ليل الشمولية فإن فجر الديمقراطية عائد وراجح، ولا يحتاج شعبنا لسفاح ليحرره من سفاح آخر، حيث تم خديعة عدد كبير من السودانيين من مؤيدي هذا الطرف أو ذاك ببيع الوهم البرهاني الحميدتاوي لهم، ويمتعون أنفسهم دهشة في انتظار انتصار أحدهم على الآخر في مهمة يقول التاريخ إنها مستحيلة.




التعليقات (0)
جاري التحميل...