عبدالله برير
يستل الشاعر عبد الوهاب هلاوي سيف التساؤل من غمد الزمن، ويباغت اللحظة باستجواب الفراش بخبثٍ شعري عن هوية من علّمه الوقوع في أحابيل غواية نهر القاش:
"من علَّمك يا فراش تعبد عيون القاش؟"
ورغم أن السؤال يبدو بريئًا في ظاهره، فإنه يخفي بين طياته عتابًا رقيقًا، يختبئ في ركام الحروف، وكأن لوحة الخضرة وهمس النسيم لم تكن سوى فتنة أغوت الفراش وأوقعته في أسر الحنين.
يحط الفراش على وردة قرمزية مبللة بالندى، مأخوذًا بجمال المشهد، متماهيًا مع سحر اللحظة، كما يقول هلاوي:
"الخضرة في الضفة وهمس النسيم الماش."
غير أنه يغفل عن تقلّبات الزمن وخداع الأيام، فلا يدرك أن الجمال قد يكون عابرًا، وأن النهر قد يخلف موعده:
"غافل وما عارف إنو الزمن غشاش."
وسرعان ما يطل السؤال المباغت من جديد:
"بالله ليه يا فراش خلاك وراح القاش؟"
هنا يبلغ العتاب ذروته، ويغلف الشاعر فضاء القصيدة بشجن الفقد، إذ يتحول الفراش إلى صورة لكل عاشق تركه محبوبه وحيدًا في مواجهة الغياب.
ويتصاعد البناء الدرامي للنص مع الأداء الآسر للفنان زيدان إبراهيم، الذي يستعرض إمكاناته الصوتية الفريدة، ويرسم بالكلمة واللحن صورة بديعة للنهر في موسم الجفاف:
"القاش وشمس الصيف... والقيف يعاين القيف."
إنها صورة مكثفة لنهرٍ غاب ماؤه، حتى بدت ضفتاه تتقابلان في صمت موحش، بينما تمد شمس الصيف ظلها الثقيل على المكان.
وفي هذا المشهد، تتناثر دموع الفراش على الرمال، في مرثية صامتة للفراق، ويصبح السؤال أكثر وجعًا:
"والدمعة في الرملة ما بتحكي شوقك كيف؟"
لكن القصيدة لا تستسلم للحزن طويلًا، إذ تلوح بارقة أمل مع انتقال زيدان إلى منطقة القرار، فيبعث بصوته رسالة اطمئنان بأن النهر سيعود يومًا، محملًا بالحنان والحياة:
"باكر بعود القاش... ترجع عيونه حنان."
غير أن هلاوي لا يترك باب العتاب مواربًا، بل يعود ليحرض الفراش على التمسك بكرامته، مذكرًا إياه بأن النهر رحل ذات يوم، وتركه يواجه قسوة الجفاف ووحشة الانتظار.
ويبلغ هذا المعنى ذروته في قوله:
"لكني لو زيك... لو جار حبيبي زمان."
فالشاعر يضع نفسه مكان الفراش، معلنًا رفضه مسامحة من هجر وغاب.
ثم يحسم موقفه بقوله:
"ما أظن أعود يا فراش... لي زول نساني وفات."
هنا ينتصر الكبرياء على الحنين، وتعلو الكرامة على رغبة العودة، في واحدة من أكثر لحظات الأغنية صدقًا وتأثيرًا.
ويواصل زيدان تطويع الموسيقى لخدمة المعنى، فتأتي الصورة الغنائية في غاية الرقة:
"وتطير تداعب الموج بجناح نسيم ريان."
ويعيد هذا المقطع بإصرار، وكأنه يذكر الفراش بأن الحنين قد يكون فخًا آخر، وأن الكرامة تستحق أن تُصان.
ويختتم الأغنية بخاتمة موسيقية آسرة، يتصاعد فيها صوت الساكسفون كأنه يطلق آخر رسائل التحدي، ليترك المستمع معلقًا بين نداء القلب وحكمة الكبرياء، في عملٍ ظل واحدًا من أجمل ما أنجبته الأغنية السودانية.




التعليقات (0)
جاري التحميل...