هبوط الدولار بعد تدخل البنك المركزي يثير تساؤلات حول قدرة السياسة النقدية على تحقيق الاستقرار

تضارب السياسات الاقتصادية يحدُّ من أثر تدخلات البنك المركزي في سوق الصرف

تقرير- ناهد محمد

أعاد التدخل الأخير لبنك السودان المركزي في سوق النقد الأجنبي، الجدل حول جدوى ضخ العملات الأجنبية في مواجهة التراجع المستمر للجنيه السوداني. ففي حين أسهمت الخطوة في خفض سعر الدولار لفترة وجيزة، يرى خبراء أن استقرار سوق الصرف لا يتحقق بالتدخلات النقدية وحدها، بل يتطلب إصلاحات اقتصادية وهيكلية تعالج أسباب اختلال سوق العملات، بينما يؤكد ممثلو القطاع التجاري، أن الإجراءات الأخيرة أسهمت في الحدِّ من المضاربات ودعم قيمة العملة المحلية.

ضخٌّ نقدي وودائع دولارية لاحتواء السوق الموازية:

وفي محاولة لاحتواء التقلبات الحادة في سوق الصرف، ضخَّ بنك السودان المركزي أخيرًا كميات من النقد الأجنبي للمصارف التجارية لتغطية طلبات الاستيراد، بالتزامن مع إعلانه مواصلة التدخل عبر توفير ودائع دولارية من دول صديقة، وذلك بعد أن اقترب سعر الدولار في السوق الموازية من حاجز ستة آلاف جنيه.

هبوط مؤقت للدولار قبل أن تعود الضغوط من جديد:

يرى الخبير المصرفي وليد دليل، أن هذه الخطوة أسهمت بالفعل في خفض سعر الدولار إلى نحو (4800) جنيه، ما يعكس فاعلية التدخل من الناحية الفنية، إلا أن هذا الانخفاض لم يدم طويلًا، إذ عاودت أسعار العملات الأجنبية الارتفاع بعد اتجاه البنك المركزي ووكلائه إلى شراء الذهب بأسعار تجاوزت مستويات السوق، ما رفع سعر جرام الذهب الخام إلى (586) جنيهاً، وأعاد الدولار إلى حدود (5200) جنيه.

ضخَّ بنك السودان المركزي مؤخرًا، كميات من النقد الأجنبي للمصارف التجارية لتغطية طلبات الاستيراد، والمحاولة لكبح جماح الدولار الذي قارب سقف الـ(6000) جنيه، وفي الوقت نفسه أعلن استمرار ضخ العملات مع توفير ودائع دولارية من دول صديقة.

الخبير المصرفي وليد دليل، قال إن خطوة بنك السودان المركزي، أفضت فعلًا إلى هبوط ملحوظ في سعر الدولار، حيث وصل إلى حدود (4800) جنيه. 

وهو ما يثبت أن الأداة تعمل من الناحية الفنية، غير أن هذا التراجع انعكس سريعًا حين عاودت أسعار العملات الارتفاع بعد أن أقدم البنك ووكلاؤه على شراء الذهب بأسعار تفوق مستويات السوق، مما رفع جرام الذهب الخام إلى (586) جنيهاً، ودفع الدولار للعودة إلى (5200) جنيه.

اضطراب إدارة السياسة النقدية معضلة جوهرية:

يرى دليل أن هذا التباين في إدارة السياسة النقدية، يكشف عن اضطراب هيكلي في إدارة سوق الصرف، معتبرًا أن التناقض بين الإجراءات المتخذة يحدُّ من فاعلية تدخلات البنك المركزي.

ويصف، في حديثه إلى "صوت الأمة"، التضارب الداخلي في السياسات الاقتصادية بأنه "معضلة جوهرية"، مشيرًا إلى أن تباين الأهداف والأدوات يجعل من الصعب تحقيق استقرار مستدام في سعر الصرف.

ويشير دليل إلى أن سياسة بنك السودان المركزي لعام 2026م، تستهدف تحقيق نمو اسمي في عرض النقود بنسبة (47.6) في المئة، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى اتساق هذا التوسع النقدي مع هدف خفض التضخم إلى (65) في المئة، على حدِّ قوله.

ويوضح أن البنك المركزي يسعى -في الوقت نفسه- إلى الحدِّ من تراجع قيمة الجنيه، مع ضخِّ سيولة محلية كبيرة، وهو ما يجعل الهدفيْن يسيران في اتجاهين متعاكسين.

ويرى أن المنح الخارجية قد تسهم في تحسين المؤشرات على المدى القصير عبر تعزيز الاحتياطيات ودعم الموازنة، لكنها لا تعالج الأسباب الجوهرية وراء ضعف الجنيه. ويستند في ذلك إلى ما يعلنه فريق العمل الحكومي المعني باستقرار سعر الصرف، الذي يؤكد أن تحقيق الاستقرار النقدي يرتبط بإصلاح الاقتصاد الكلي وتعزيز الإنتاج الحقيقي، وليس بالاكتفاء بضخ العملات الأجنبية.

ويحذر من أن المنح التي لا تُوجَّه إلى دعم الإنتاج والصادرات، سرعان ما تُستهلك، لتعود سوق الصرف إلى نقطة البداية مع استمرار الضغوط على العملة المحلية.

3 قيود تحدُّ من فاعلية التدخل النقدي:

ويحدد دليل ثلاثة قيود رئيسة تحدُّ من فاعلية أدوات التدخل النقدي وضخ النقد الأجنبي في آن واحد. يتمثل القيد الأول في غياب مصادر مستدامة للنقد الأجنبي في ظل استمرار الحرب، ما يجعل أي تدخل في السوق عرضة لاستنزاف الاحتياطيات دون إمكانية إعادة بنائها بشكل حقيقي.

أما القيد الثاني، فيرتبط بقطاعي الذهب والمشتقات البترولية، اللذين يعدّان من أبرز العوامل المؤثرة في تحديد سعر الصرف، ما يستدعي -بحسب رأيه- إحكام تنظيمهما وضبط آلياتهما قبل أن تنعكس أي تدخلات نقدية بشكل دائم على السوق.

في حين يتمثل القيد الثالث في قوة السوق الموازية، التي يرى أنها تقلص من أثر تدخل البنك المركزي، إذ تمتص الكميات التي يتم ضخها في النظام المصرفي، لتعود الأسعار إلى مستوياتها السابقة بسرعة.

أدوات مسكنة لا تعالج جذور الأزمة:

ويعتبر دليل أن الضخ المباشر للنقد الأجنبي، إلى جانب المنح الخارجية، يمثلان أدوات ذات أثر مسكن أكثر من كونهما حلولًا علاجية في السياق الاقتصادي السوداني الراهن.

ويشير إلى أن نجاح أية سياسة نقدية، مرهون بقدرة البنك المركزي على الفصل بين التوسع الائتماني المنتج والتوسع النقدي غير المغطى، إلى جانب ضبط قنوات التمويل بما يحدُّ من انتقال الصدمات النقدية إلى أسعار السلع والخدمات.

ويحذر من أنه ما لم يتم ضبط مسارات تسرب النقد الأجنبي في قطاع الذهب، وتوجيه جزء أكبر من المنح نحو تمويل الصادرات، فإن أية عمليات ضخٍّ ستظل -بحسب تعبيره- مجرد "سدٍّ مؤقت لثغرة في سفينة تغرق".

إشادة من القطاع التجاري بجهود البنك المركزي:

في المقابل، أشاد اتحاد الغرف التجارية، بالإجراءات التي اتخذها بنك السودان المركزي في مواجهة التراجع الذي شهدته قيمة الجنيه خلال الفترة الماضية أمام العملات الأجنبية، والذي عزاه إلى تنامي المضاربات في السوق.

وأثنى رئيس الاتحاد علي صلاح، على السياسات الحكومية الأخيرة الهادفة إلى كبح جماح الدولار، عبر توفير النقد الأجنبي في الجهاز المصرفي، معتبرًا أن هذه الخطوات انعكست إيجابًا على أداء الجنيه السوداني مقابل العملات الأجنبية.

وأكد صلاح دعم ومساندة اتحاد الغرف التجارية والغرف المتخصصة ومنسوبي القطاع التجاري كافة لهذه القرارات، التي وصفها بالصائبة، مشيرًا إلى أنها تسهم في تعزيز استقرار سوق الصرف وتحسين قيمة العملة المحلية.

وعلى العكس تمامًا، فإن اتحاد الغرف التجارية قد أثنى على الإجراءات والدور المهم الذي اضطلع به بنك السودان المركزي في مجابهة ما طرأ من الانخفاض الكبير الذي لازم قيمة الجنيه خلال الفترة القليلة الماضية في مقابل العملات الأخرى بسبب المضاربات.

بيت الداء وأزمة التنسيق المؤسسي:

في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تمر بها البلاد، يرى الخبير الاقتصادي إيهاب عبد الرحمن، أن الخروج من دوامة ارتفاع أسعار العملات الأجنبية يتطلب معالجة "بيت الداء" بدلًا من الاكتفاء بمعالجة الأعراض، مشيرًا إلى أن التمويل بالعجز الذي تمارسه الدولة، والتشتت المؤسسي بين أجهزتها، وضعف الطلب على الجنيه السوداني، تمثل ما وصفه بـ"ثلاثية الشر" التي تضغط على الاقتصاد.

وينبه عبد الرحمن إلى أهمية تعزيز التنسيق المؤسسي، معتبرًا ذلك بمثابة إنهاء لما أسماه "عصر الجردل المخروم"، موضحًا في حديثه إلى "صوت الأمة"، أنه لا يمكن أن تستمر وزارة المالية في التوسع بالإنفاق عبر العجز، في الوقت الذي يقوم فيه البنك المركزي بضخ الدولار لاحتواء ارتفاعات نتجت -بحسب رأيه- عن سياسات التوسع النقدي، مضيفًا أن هذا النهج يشبه "ملء جردل مخروم بالماء".

ويدعو إلى إنشاء مجلس أعلى للتخطيط الاقتصادي يضم البنك المركزي ورئاسة مجلس الوزراء ووزارات المالية والتجارة والاستثمار والطاقة، بحيث يتولى صياغة سياسة اقتصادية موحدة بدلًا من القرارات المتضاربة بين المؤسسات.

ويشير إلى أن هذا النموذج ليس جديدًا، مستشهدًا بتجارب كوريا الجنوبية وسنغافورة في ستينيات القرن الماضي، حين أسهمت مجالس التخطيط الاقتصادي في الانتقال من الفقر إلى مصاف الدول المتقدمة، على حدِّ قوله.

الدولرة العكسية وتعزيز الطلب على الجنيه:

يرى عبد الرحمن أن الحل لا يقتصر على ضخ الدولار أو محاولات كبح جماح العملات الأجنبية، بل يمتد إلى ضرورة خلق طلب يومي مستدام على الجنيه السوداني. ويشير في هذا السياق إلى تجربة تركمانستان، التي فرضت سداد رسوم العطاءات والامتيازات بالعملة المحلية (المانات)، ما أجبر الشركات الأجنبية على شراء العملة المحلية، الأمر الذي أسهم في تعزيز الطلب عليها ودعم استقرار سعر الصرف.

ويضيف أن السودان بحاجة إلى تبني نهج مشابه، عبر إلزام سداد ضريبة القيمة المضافة، ورسوم الموانئ، وإيجارات الأراضي الخاصة بالمشاريع الكبرى بالجنيه السوداني فقط، بما يؤدي إلى خلق ما وصفه بـ"الدولرة العكسية"، بحيث يضطر كلُّ مستثمر إلى شراء الجنيه قبل ممارسة أعماله داخل البلاد.

ويؤكد أن هذه الخطوة، في حال تطبيقها، قد تكون أسرع وأكثر فاعلية من ضخِّ مليارات الدولارات في السوق، لأنها تعالج جانب الطلب على العملة المحلية بشكل مباشر.

وصفة علاج متعددة المسارات لأزمة الصرف:

لإخراج البلاد من أزمتها الاقتصادية، يقول الخبير الاقتصادي إيهاب عبد الرحمن، إن المرحلة الحالية تحتاج إلى "عقول لا رواتب"، مقترحًا إنشاء المجلس الأعلى للاستثمار، إلى جانب مجلس للتخطيط الاقتصادي، بما يتيح مشاركة الخبراء والكفاءات الوطنية والعالمية، مقابل نسب من أرباح المشاريع التي يديرونها، من دون تحميل الدولة أعباء رواتب ثابتة.

ويضيف أن ما وصفه بـ"وصفة العلاج" يقوم على ثلاثة محاور رئيسة؛ إذ يرى أن ضخَّ البنك المركزي للعملات الأجنبية والمنح الخارجية قد يحدُّ من حدة الأزمة مؤقتًا، لكنه يظل إجراءً مسكنًا، في حين أن وقف التمويل بالعجز، وتوحيد السياسات عبر مجلس تخطيط موحد، وإلزام الدفع بالجنيه للرسوم الحكومية، تمثل -بحسب رأيه- الأساس الحقيقي لمعالجة الاختلالات.

ويؤكد أن تطبيق هذه الإجراءات الثلاثة، كفيل بخفض سعر الصرف بنحو (40) في المئة خلال عام واحد، من دون الحاجة إلى مزيد من ضخ الدولار، باعتبار أنها تعالج جذور الأزمة المتمثلة في طباعة النقد، وتعدد مراكز القرار، وضعف الثقة في الجنيه السوداني.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...