مهدي داود الخليفة

 

يشهد السودان خطوة مهمة في مسار تحديث قطاعه المصرفي، بعد إعلان بنك السودان المركزي منح أول رخصة لمحول معاملات مالية  (Financial Switch) ومنصة مدفوعات رقمية لشركة خاصة هي العسجد للحلول الذكية والرقمية  (ASD). وإذا أُحسن تنفيذ المشروع، فقد يشكل نقلة نوعية في التحول الرقمي والشمول المالي، أما إذا غابت الضمانات المؤسسية والرقابية، فقد يتحول إلى مصدر خطر على الاستقرار المالي.

القضية ليست رفض دور القطاع الخاص، فهو شريك رئيس في الابتكار المالي حول العالم، وإنما تتعلق بسؤال جوهري: هل يجوز أن يصبح العمود الفقري للنظام المصرفي الوطني في يدِّ شركة خاصة؟

يمثل محول المعاملات القلب النابض لمنظومة المدفوعات؛ فمن خلاله تمر التحويلات بين المصارف، ومدفوعات التجار، وأجهزة الصراف الآلي، ونقاط البيع، والتطبيقات المصرفية، والمدفوعات الحكومية. لذلك فإن أي تعطل أو اختراق قد يؤدي إلى شلل واسع في النشاط الاقتصادي، ولهذا تُعد هذه المنظومات في معظم الدول جزءاً من البنية التحتية السيادية.

وتوضح التجارب الدولية هذا التوجه بجلاء؛ ففي الهند والبرازيل والسعودية والكويت، تخضع شبكات المدفوعات الوطنية لإشراف مباشر من البنك المركزي أو لمؤسسات وطنية مملوكة للبنوك وتعمل تحت رقابة الدولة. ويظل القطاع الخاص شريكًا في تطوير الخدمات والتطبيقات، بينما تبقى السيطرة على البنية الأساسية للمدفوعات مسؤولية سيادية.

اقتصاديًا، يمكن للمشروع أن يحقق مكاسب كبيرة، منها تسريع التحويلات بين المصارف، وخفض تكاليف التشغيل، وتعزيز الشمول المالي، وتقليل الاعتماد على النقد الورقي، وتحسين تحصيل الإيرادات العامة، ودعم التجارة الإلكترونية، فضلًا عن تقوية أدوات مكافحة غسل الأموال وتتبع المعاملات المالية.

لكن هذه المزايا تقابلها مخاطر لا ينبغي تجاهلها. أولها مخاطر الاحتكار، إذ إن اعتماد جميع البنوك على مشغل واحد يخلق ما يعرف بـ Single Point of Failure، حيث قد يؤدي تعطل جهة واحدة إلى توقف النظام بأكمله. وثانيها مخاطر الاستمرارية؛ فإذا فقدت الشركة قدرتها التشغيلية أو تعرضت للإفلاس، فهل يمتلك بنك السودان القدرة على تشغيل النظام فورًا؟ وهل توجد مراكز احتياطية، وخطط للتعافي من الكوارث، وضمانات مالية كافية؟

كما يبرز تحدي الأمن السيبراني، إذ ستتعامل الشركة مع بيانات مالية لملايين العملاء. ومن ثم يصبح من الضروري معرفة ما إذا كانت حاصلة على الشهادات الدولية المعتمدة، وكيف ستُحفظ البيانات، وما إذا كانت ستخضع لمراجعات أمنية واختبارات اختراق دورية.

ويثار أيضًا تساؤل مشروع حول مستقبل شركة الخدمات المصرفية الإلكترونية (EBS) التي ظلت منذ عام 1999م، تمثل البنية الأساسية للمدفوعات الإلكترونية في السودان. فهل سيحل النظام الجديد محلها، أم سيعملان بالتوازي، أم ستكون هناك مرحلة انتقالية مدروسة؟ إن وضوح هذه الرؤية ضروري للحفاظ على استقرار النظام المالي.

ولعل أهم ما يحتاجه الرأي العام والقطاع المصرفي اليوم هو الشفافية. فمن حقِّ المواطنين والمصارف والمستثمرين الاطلاع على معايير منح الترخيص، والملاءة المالية للشركة، وهيكل ملكيتها، وضماناتها، وخطط استمرارية الأعمال، وإجراءات الأمن السيبراني، ونتائج الفحص الفني والقانوني الذي سبق إصدار الترخيص.

إن نجاح هذه المبادرة لن يُقاس بسرعة إطلاقها، بل بقدرتها على حماية أموال المواطنين وضمان استقرار النظام المالي لعقود مقبلة. فالتحول الرقمي ضرورة لا خلاف عليها، لكن بناء الثقة في البنية التحتية المالية لا يتحقق إلا بالحوكمة الرشيدة، والرقابة الفعالة، والشفافية الكاملة. ومن هنا، فإن نشر بنك السودان المركزي لتفاصيل الترخيص والضمانات وخطط الطوارئ، سيكون خطوة أساسية لتحويل هذا المشروع من محل تساؤل إلى نموذج وطني يُحتذى به في الإدارة المؤسسية.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...