من على الشرفة
طاهر المعتصم
وسط ضجيج المعارك، تبدو السياسة أحيانًا أكثر هدوءًا من صوت المدافع، لكنها في كثير من الأحيان تكون أكثر تأثيرًا في رسم نهايات الحروب. وخلال الأيام الماضية تراكمت إشارات متفرقة، قد تبدو كلُّ واحدة منها منفصلة عن الأخرى، لكنها عند جمعها ترسم ملامح مشهد جديد يستحق التوقف عنده، وربما تفتح الباب أمام تساؤل مشروع: هل بدأت الأزمة السودانية تقترب من هبوط ناعم؟
الاجتماع الأخير لمجلس الأمن حمل واحدة من أهم هذه الإشارات، عندما أعلن مندوب السودان وجود توافقات جرى إرسالها إلى الجانب الأمريكي، أعقبها ردُّ كبير مستشاري الرئيس الأمريكي باستعداده لزيارة الخرطوم لبحث تلك التفاهمات. وبصرف النظر عن مآلات هذه الاتصالات، فإن مجرد انتقال الخطاب من دائرة القطيعة إلى دائرة البحث والتفاوض يمثل تطورًا لا يمكن تجاهله.
وفي الداخل، جاءت الرسائل أكثر كثافة. فالظهور الجماهيري لقائد الجيش بمدينة الكلاكلة جنوب الخرطوم لم يكن مجرد نشاط جماهيري، وإنما حمل، في جانب منه، رسالة سياسية موجهة إلى الخارج، وفي مقدمته واشنطن، مفادها أن المؤسسة العسكرية تمتلك زمام المبادرة وتسعى لإعادة ترتيب المشهد.
وتتزامن هذه الرسائل مع خطوات أخرى؛ من بينها إبعاد أحد الكوادر الدبلوماسية المنتمية للمؤتمر الوطني المحلول من موقع وكيل وزارة الخارجية، في ظل المواقف الأمريكية المعلنة الرافضة للتعامل مع أفرع الإسلام السياسي، فضلًا عن إعلان بعض قيادات جماعة البراء بن مالك اتجاهها للعمل المدني، وزيارة قائدها للمملكة العربية السعودية بعد أن كان قد أُبعد منها العام الماضي. كما تتحدث مصادر مطلعة عن دراسة خيارات تتعلق بمستقبل الجماعة، بالتوازي مع كشوفات الإحالة للتقاعد والترقيات داخل جهاز الأمن والمخابرات، وهي جميعها مؤشرات توحي بوجود عملية إعادة ترتيب لمؤسسات الدولة وعلاقتها بالحاضنة الإسلامية التي مزقتها الحرب إلى تيارات متعددة.
وفي الضفة الأخرى، لا تبدو قوات الدعم السريع بمنأى عن عمليات التفكيك (التشليع) وإعادة التشكل، مع انسحاب بعض القيادات، وعودة آخرين إلى ما أطلقوا عليه "حضن الوطن"، بينما اختار آخرون الانضمام إلى معسكر وقف الحرب. ويتقاطع ذلك مع التفاهمات الأولية بين قوى سياسية ومدنية في أديس أبابا وجنيف، والاستعدادات لاجتماع جديد برعاية الآلية الخماسية، إلى جانب مبادرة مالك عقار، ومحاولات الأستاذ نبيل أديب، وجهود السفير نورالدين ساتي... وغيرها من المساعي التي تبحث عن مساحة مشتركة بين المتخاصمين.
قد تبدو هذه الوقائع مجرد أحداث متفرقة، لكن القراءة التحليلية تشير إلى أنها قد تكون أجزاءً من لوحة أكبر يجري تشكيلها بهدوء، عنوانها فكُّ الارتباط بين القوى العسكرية والحواضن السياسية، وإعادة إنتاج بيئة تسمح بتسوية سياسية أقل كلفة من استمرار الحرب.
يبقى السؤال: هل نحن بالفعل أمام إرادة حقيقية لإنهاء المأساة، أم أمام جولة جديدة من المناورات السياسية؟ الإجابة ستكشفها الأسابيع المقبلة، لكن المؤكد أن السودان لم يعد يمتلك رفاهية إضاعة الوقت. فكل يوم يمر يضيف إلى فاتورة الحرب خسائر جديدة في الاقتصاد، والسياسة، والنسيج الاجتماعي. وإن كان هناك بالفعل طريق نحو هبوط ناعم، فليكن هذه المرة هبوطًا ينقذ البلاد، لا مجرد هدنة تؤجل الانفجار.




التعليقات (0)
جاري التحميل...