مهدي داود الخليفة

 

أثار المقترح الذي تقدم به أحد ضباط القوات المسلحة المتقاعدين بشأن إدارة الدولة السودانية خلال المرحلة المقبلة، كثيرًا من الجدل، ليس لأنه يقدم حلولًا للأزمة الوطنية، وإنما لأنه يكشف عن استمرار هيمنة عقلية سياسية تنتمي إلى حقبة الأنظمة الشمولية التي لفظها السودانيون بثوراتهم وتضحياتهم. ويبدو أن صاحب المقترح يتجاهل التحولات العميقة التي شهدها السودان والعالم، ويطرح تصورًا يعيد البلاد إلى نموذج الحكم العسكري المطلق، وهو نموذج أثبت التاريخ السوداني مرارًا إخفاقه في بناء دولة مستقرة أو تحقيق السلام والتنمية، بل كان أحد الأسباب الرئيسة في تعميق الأزمات الوطنية.

إن أخطر ما ورد في هذه المقترحات، هو الدعوة إلى تنصيب الفريق أول عبد الفتاح البرهان رئيسًا للجمهورية لمدة عشر سنوات، وإلغاء مجلس السيادة، وحظر الأحزاب السياسية لثماني سنوات، وإدارة الولايات بواسطة ضباط عسكريين، وتوسيع سلطات الطوارئ والمحاكم العسكرية. وهي مقترحات، إذا نُظر إليها في سياق التاريخ السياسي السوداني، تمثل قطيعة كاملة مع تطلعات الشعب السوداني، ومع المبادئ الدستورية الحديثة، ومع الاتجاه السائد في أفريقيا والعالم نحو ترسيخ الحكم المدني الديمقراطي.

لقد خرج ملايين السودانيين في ثورة ديسمبر المجيدة عام 2018م، مطالبين بشعارات واضحة لا تحتمل التأويل: "الحرية، والسلام، والعدالة"، وكان جوهر تلك الثورة إنهاء هيمنة المؤسسة العسكرية على الحياة السياسية، واستعادة الحكم المدني الديمقراطي، وبناء دولة المؤسسات وسيادة القانون. ولم تكن الثورة مجرد احتجاج على نظام سياسي بعينه، بل كانت رفضًا متراكمًا لعقود من الحكم العسكري الذي حكم السودان معظم سنوات استقلاله.

إن التجربة السودانية تقدم دليلًا واضحًا على أن الحكم العسكري لم ينجح في بناء دولة مستقرة أو اقتصاد مزدهر أو نظام سياسي مستدام. فمنذ انقلاب الفريق إبراهيم عبود عام 1958م، مرورًا بحكم الرئيس جعفر نميري، ثم نظام الإنقاذ بقيادة عمر البشير، وصولًا إلى المرحلة الحالية، ظل السودان يدور في حلقة مفرغة من الانقلابات والحروب والانقسامات والتدهور الاقتصادي والعزلة الدولية.

بل إن أخطر نتائج هيمنة العسكر على السياسة كانت إضعاف مؤسسات الدولة المدنية، وتسييس القوات المسلحة، وغياب التداول السلمي للسلطة، وانفصال جنوب السودان عام 2011م، بعد عقود من الحرب، ثم اندلاع الحرب الحالية التي تُعد أكبر كارثة وطنية في تاريخ السودان الحديث.

فهل يكون علاج هذه المآسي بإطالة أمد الحكم العسكري لعقدٍ جديد؟

إن حظر الأحزاب السياسية لمدة ثماني سنوات لا يمثل إصلاحًا سياسيًا، بل هو إلغاء للحياة السياسية نفسها. فالأحزاب، مهما كانت أخطاؤها، تُصلح عبر المنافسة الديمقراطية والقوانين المنظمة والانتخابات الحرة، وليس عبر قرارات الحظر والإقصاء. والتجارب العالمية أثبتت أن إلغاء التعددية لا ينتج استقرارًا، وإنما يؤدي إلى احتكار السلطة وإضعاف الرقابة وغياب المساءلة.

كما أن فكرة حصر الحياة السياسية مستقبلًا في حزبين فقط تتعارض مع حق المواطنين في التنظيم السياسي الذي تكفله المواثيق الدولية والدساتير الديمقراطية، ولا يمكن فرض التعددية أو تقليصها بقرار إداري أو عسكري.

أما تعيين ضباط الجيش ولاةً على الولايات، فهو يعيد السودان إلى نموذج الإدارة العسكرية الذي أثبت فشله في إدارة التنوع الجغرافي والثقافي والسياسي للبلاد. فإدارة الولايات مسؤولية مدنية تقوم على الكفاءة والشرعية الشعبية، وليست امتدادًا للقيادة العسكرية.

ولا يقل خطورة عن ذلك، التوسع في استخدام المحاكم العسكرية لمحاكمة المدنيين، وهو أمر يتعارض مع مبادئ العدالة الطبيعية والمحاكمة العادلة واستقلال القضاء، ويقوض الثقة في مؤسسات العدالة.

لقد تغير العالم كثيرًا. فبعد عقود الانقلابات العسكرية التي شهدتها أفريقيا، تتجه غالبية الدول الأفريقية اليوم نحو ترسيخ الأنظمة الدستورية المدنية، وتعزيز التداول السلمي للسلطة، واحترام نتائج الانتخابات، وتقليص تدخل الجيوش في العمل السياسي. كما أن الاتحاد الأفريقي يرفض بصورة مبدئية التغييرات غير الدستورية للحكم، ويؤكد باستمرار ضرورة العودة إلى الحكم المدني واحترام الإرادة الشعبية.

ولا يمكن للسودان أن يعزل نفسه عن هذا التحول الإقليمي والدولي عبر تبني نموذج حكم يقوم على الرئاسة الممتدة لعشر سنوات، وتعليق الحياة الحزبية، وإدارة الدولة بعقلية الطوارئ الدائمة.

إن إنهاء الحرب لا يتحقق بإقامة نظام أكثر مركزية وأكثر عسكرية، وإنما بإطلاق عملية سياسية شاملة تُنهي النزاع، وتؤسس لدولة مدنية ديمقراطية يشارك فيها جميع السودانيين، بعيدًا عن احتكار السلطة بواسطة أية مؤسسة أو جماعة.

إن المؤسسة العسكرية السودانية مؤسسة وطنية عريقة، ودورها الطبيعي هو حماية حدود البلاد وسيادتها والدفاع عن الدستور، وليس إدارة الشأن السياسي أو احتكار السلطة التنفيذية. فكلما ابتعد الجيش عن السياسة، ازدادت مهنيته، وتعززت مكانته واحترامه لدى المواطنين.

لقد أثبتت التجارب السودانية المتعاقبة، أن الحكم العسكري ليس طريقًا إلى الاستقرار، وإنما أحد أهم أسباب عدم الاستقرار. ولذلك فإن المستقبل الذي يستحقه السودان هو مستقبل الدولة المدنية الديمقراطية، القائمة على حكم القانون، والفصل بين السلطات، والانتخابات الحرة، واحترام حقوق الإنسان، والتداول السلمي للسلطة.

إن الشعب الذي أسقط أعتى الأنظمة العسكرية، لن يقبل أن تُصادر ثورته تحت أي مبرر، ولن يتخلى عن حلمه في بناء وطنٍ يحكمه الدستور، لا البندقية، والإرادة الشعبية، لا القرارات الاستثنائية.

فالسودان لا يحتاج إلى عقدٍ جديد من الحكم العسكري، بل يحتاج إلى عقدٍ وطني جديد يؤسس لدولة مدنية ديمقراطية، تُنهي دوامة الانقلابات، وتفتح صفحة جديدة من السلام والاستقرار والتنمية.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...