محمد الأمين عبد النبي

 

قد تنجح الدعاية في صناعة الأوهام لبعض الوقت، لكن التاريخ لا يجامل. وما من فكرة تعرّضت لاختبار أقسى من فكرة العسكرة التي هيمنت طويلًا على الحكم. فقد جاءت الحرب لتكتب شهادة سقوط هذا الوهم، بعدما أثبتت أن عسكرة الحكم لم تكن طريقًا إلى الاستقرار والتنمية، وإنما كانت أحد أهم جذور الأزمة السودانية. ومع ذلك، لا تزال بعض الأصوات تعيد إنتاج الوهم، وكأن المشكلة في اسم الجنرال، لا في نموذج الحكم.

من هنا يمكن فهم الدعوات التي تروج لترشيح البرهان لرئاسة الجمهورية، كما يمكن قراءة الأصوات التي تطرح حميدتي رئيسًا بديلًا. وبالرغم من التباين بين هذه المواقف، فإنها تنطلق من الفرضية نفسها: أن السودان لا يزال بحاجة إلى حاكم عسكري. غير أن الحرب نسفت هذه الفرضية قبل أي شيء آخر.

فمنذ الاستقلال، دخل العسكريون إلى السلطة تحت شعارات حماية الأمن القومي، وحفظ الاستقرار، وإنقاذ البلاد من إخفاق المدنيين. لكن التجربة الممتدة لعقود لم تنتج دولة قوية، وإنما قادت إلى إضعاف الحياة السياسية، وتراجع استقلال مؤسسات الدولة، وانهيار الاقتصاد، وإطالة أمد الحروب، حتى انتهى الأمر إلى مواجهة دامية بين مكونين عسكريين كانا شريكين في الانقلاب على القوى المدنية.

أسُّ المشكلة السودانية هو تحول المؤسسة العسكرية إلى فاعل سياسي واقتصادي يزاحم المؤسسات السياسية، ويحتكر أدوات القوة والقرار. ومع اتساع هذا الدور، انكمش المجال المدني، وتراجعت الرقابة والمحاسبة، وأصبحت شرعية القوة تتقدم على قوة الشرعية، حتى غدت الدولة رهينةً لموازين السلاح أكثر من خضوعها للدستور.

لقد أثبتت الحرب أن عسكرة السياسة تؤسس لصراعات مؤجلة. فعندما يصبح السلاح مصدر الشرعية، يصبح الاحتكام إليه الوسيلة الطبيعية لحسم الخلافات السياسية، ويتحول الصراع على السلطة إلى صراع بين مراكز القوة المسلحة، لا بين البرامج والرؤى.

ومع ذلك، فإن مسؤولية هذا الواقع لا تقع على المؤسسة العسكرية وحدها. فقد أسهمت قطاعات من النخب المدنية، في أكثر من محطة، في إضعاف التجربة الديمقراطية، سواء بمنح الانقلابات غطاءً سياسيًا، أو بالاستقواء بالعسكر كلما تعثرت التجربة. واليوم يتكرر المشهد نفسه، حين ينشغل بعض الفاعلين بالبحث عن جنرال جديد، بدلًا من البحث عن قواعد جديدة للسياسة.

إن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه السودانيون ليس: من يحكم، البرهان أم حميدتي؟ وإنما: هل يريدون استمرار نموذج العسكرة الذي قاد البلاد إلى هذه الكارثة؟ فاستبدال جنرال بآخر لا يعني الانتقال إلى الدولة المدنية، كما أن تداول السلطة بين حملة السلاح ليس تداولًا ديمقراطيًا.

لقد سبق أن رُفع جعفر نميري إلى مرتبة المنقذ، ثم رُفع عمر البشير بذات الشعار، وانتهت التجربتان إلى الاستبداد، والحروب، والانهيار الاقتصادي، والفساد. واليوم يُعاد إنتاج الخطاب ذاته، وكأن التاريخ لم يترك ما يكفي من العبر.

إن الدولة الحديثة لا تقوم على فكرة الحاكم المنقذ، وإنما على مؤسسات مدنية، ودستور، وسيادة القانون، وفصل السلطات، والتداول السلمي للسلطة. أما الجيش، فتزداد مكانته كلما ابتعد عن السياسة، والتزم بدوره المهني.

لقد كتبت الحرب شهادتها بوضوح لا يحتمل التأويل؛ فلم تكن الأزمة في هوية الجنرال، وإنما في عسكرة الحكم. وإذا أراد السودانيون تأسيس مرحلة جديدة لإنهاء الحرب، فإن البداية لا تكون بالبحث عن حاكم عسكري، وإنما بطي صفحة الوهم الذي حكم البلاد طويلًا؛ وهم أن الدولة يبنيها جنرال. فالدول تبنيها المؤسسات، والإرادة الوطنية، وسياسة مدنية راشدة قادرة على إدارة الاختلاف دون اللجوء إلى حمل السلاح.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...