محمد الأمين عبد النبي
لم يعد الحديث عن التقسيم مجرد مخاوف، فقد تحوّل إلى واقع يتشكّل على الأرض؛ إذ تجاوزت البلاد "النموذج الليبي" لتنزلق نحو "الصوملة". ويتجلى ذلك في مساعي حكومتي الأمر الواقع لتثبيت شرعيات مستقلة؛ فقد شرعت سلطة نيالا في إنشاء بنك مركزي لإدارة الموارد والاقتصاد، وإدارة منظومة تعليمية وقضائية مستقلة... وغيرها من المؤسسات الموازية.
تزامن هذا مع انهيار بنية الدولة ومؤسساتها، ووصول الوضع الاقتصادي إلى حافة الانهيار الشامل. كما تُشكّل الهجمات المتزايدة على مدينة الأبيض نموذجًا مأساويًا لهذا التحلل؛ فالمدينة المكتظة بالمواطنين والنازحين الفارين من جحيم المعارك، باتت تحت وطأة الحصار الخانق، وهو ما يغذي البيئة الخصبة للتفتيت والتمزيق.
ويزيد من تسارع خطوات التشظي حالة التعنت السياسي لدى تحالفات بورتسودان من جهة، وتحالف تأسيس من جهة أخرى، ورفض الطرفين الدخول في عملية سياسية تنهي الحرب. يسعى تحالف تأسيس نحو تسوية ثنائية تجهض مسارات الحل السياسي وقطع الطريق أمام الجهود الدولية إلى جعل سيناريو التقسيم أمرًا واقعًا، يساعد على ذلك سلوك تحالفات بورتسودان.
إن الانزلاق نحو السيناريو الأسوأ يتغذى على خطاب الكراهية والعنصرية كأداة سياسية يعتمدها أطراف النزاع لضمان التعبئة والولاء. وفي ظل غياب مؤسسات الدولة، يجري استبدال مفهوم "المواطنة الجامعة" بـ"الهويات الضيقة"، حيث لم يعد المجتمع فضاءً للتعايش المدني، فقد أصبح ثكنة كبيرة تفرض فيها الميليشيات منطق الولاء. إن هذا الضخ المستمر لسموم التحريض، يؤدي حتمًا إلى تمزيق نسيج البلاد، بما يجعل استعادة الدولة مستقبلًا عملية بالغة التعقيد، بعد أن أصبح السلاح اللغة الوحيدة للتفاوض، وأضحت العنصرية المرجعية الأساسية للتعامل الإنساني.
بالتأكيد لا تتحرك خطى التقسيم بمعزل عن هندسة خارجية تسعى إلى تكريس السيناريو الأسوأ بتقديم الدعم المستمر لطرفي النزاع. فهذه القوى الخارجية لا ترى في تعقيدات المشهد سوى إسقاط مشوّه لـ"نموذج نيفاشا"؛ إذ يهدف استمرار تدفق السلاح والتمويل إلى إبقاء الطرفين في حالة إنهاك متبادل، تمهيدًا لفرض تسوية قسرية تفضي في نهاية المطاف إلى التقسيم. إن إصرار هذه الدوائر على نموذج نيفاشا الجديدة يرمي إلى شرعنة الانقسام باعتباره الحل الوحيد لإنهاء الحرب، على حساب وحدة السودان.
وتؤكد التطورات المتسارعة على الأرض أن السودان لا يتجه فقط نحو التقسيم التقليدي، وإنما ينزلق نحو السيناريو الأشد فتكًا، وهو التفتيت والتشظي. فبالتوازي مع انهيار مؤسسات الدولة، تتبدى ملامح هذا السيناريو في تزايد حدة الاستقطاب داخل معسكري الحرب، وبروز صراعات كامنة مرشحة للانفجار بين مراكز القوى، يقودها أمراء حرب لا تحركهم أية رؤية وطنية، وإنما تتملكهم غريزة الحفاظ على مصالحهم الضيقة. وهذا التناثر في الولاءات يحوّل البلاد إلى جغرافيا ممزقة وموزعة بين إقطاعيات أمنية وعشائرية متناحرة وكانتونات مصلحية.
تجنب سيناريو الصوملة يستدعي اجتراح مقاربة وطنية مغايرة تبدأ ببناء جبهة مدنية من أجل الدفاع عن الوحدة الوطنية، لتشكل ثقلًا سياسيًا يكسر ثنائية الحرب ويسحب الشرعية من حكومات الأمر الواقع. عطفًا على تفكيك المنهجية الدولية القائمة على مقاربة نيفاشا الجديدة، بتحويل الضغط الدولي والإقليمي من خانة إدارة النزاع إلى خانة إنهائه، ووقف مسار التسويات الثنائية، وتجفيف منابع الدعم اللوجستي الخارجي لأمراء الحرب، مع فرض عقوبات حقيقية على الدوائر التي تغذي خطوط الإمداد.
ومما لا شك فيه أن الترياق الحاسم لسموم خطاب الكراهية يكمن في إعادة الاعتبار للمجتمع المدني وتفعيل آليات العدالة، بحيث يتم ربط أي مسار لوقف إطلاق النار بعملية سياسية شاملة تقودها القوى المدنية. إن خلاص السودان لا يزال ممكنًا، شريطة أن يدرك الجميع أن بديل الحل السياسي ليس تقسيمًا منظمًا للبلاد، وإنما حريق ممتد لن يسلم منه أحد، وأن الإرادة الوطنية هي وحدها الكفيلة بلملمة جراح الوطن وبناء عقد اجتماعي جديد قبل فوات الأوان.




التعليقات (0)
جاري التحميل...