عثمان البشرى المهدي

 

الحلول السلمية التي تجنب السودان دفع الفاتورة المرهقة من دماء أبنائه، وتدمير بنياته الاقتصادية، دائمًا تواجه بحائط صد، فما لاح بارق إلا وأجهض عمدًا وتهورًا، أو حتى بعدم إدراك وتقدير للمسؤولية، ومعرفة ما معنى أن يضيع وطن بأكمله، بذل فيه الأجداد غالي الأنفس.

فالسودان بحدوده القديمة -قُبيل انفصال جنوبه- كان يمكن أن يكون مثالًا يحتذى... بمساحته المترامية الأطراف وتنوع مناخاته، إضافة لثرواته الضخمة -التي إذا ما استغلت بمثالية من دون إهدار-، بجانب تنوع ثقافاته المحلية الثرة، لأصبح رقمًا إقليميًا، يصعب تجاوزه في الخارطة الشرق أوسطية وهندسة سياساتها.

ولكن هيهات، فكل فرص التقدم تهدر تباعًا، كصنوها من فرص السلام والاستقرار السياسي.

الناظر لكل المبادرات النيرة في التاريخ السوداني، والتي تسعى دائمًا لإخماد نيران الفتنة السياسية والقتال بين مختلف مكونات الشعب السوداني، نجدها سرعان ما تجهض، قبل أن يجف مدادها: "المائدة المستديرة 1965م، اتفاقية أديس أبابا 1972م، والوثيقة الدستورية 2019م"، لا لشيء سوى تمجيد الخلاف وإعلاء رايته واتخاذه منهاج حياة.

انتقلت آفة الخلاف هذه عقب الثورة السودانية في ديسمبر، وغذتها ونفخت كيرها مجموعة من جماعات تيار الإسلام السياسي وتابعهم المؤتمر الوطني، حيث سعوا بكل ما أوتوا من جهد وإمكانات، لإبراز أتفه وأصغر الخلافات وتضخيمها إعلاميًا، لإيهام الناس بعدم جدوى وجدية الثورة، وبالتالي أهمية العودة للحكم العسكري المتدثر بالدقون واللحى.

واتبعوا في سبيل ذلك أسلوبًا فلسفيًا سياسيًا، بإعمال الخوف في المجتمع ليسهل خضوعه سياسيًا، بافتعال الخلافات، وباستعمال أساليب إرهاب مخالفي الرأي بالتصفية الجسدية أو المعنوية، وتفعيل القبضة الحديدية لكل المظاهر المدنية، من تجمعات أو تظاهرات مناهضة لأحداث سياسية حينها. ولا أدل على ذلك إلا عملية فض اعتصام القيادة العامة. والعنف المميت لمقابلة التظاهرات، بنشر المظاهر العسكرية وكأنما يواجهون عدوًا مسلحًا لا مدنيًا سلميًا .

إن انقلاب البرهان- حميدتي، كان ضد التطور الطبيعي للثورة السودانية المفضي للحكم المدني، ويعد واحدًا من أسباب الحرب السودانية، بتبنيه لمجموعة سياسية خلافية، وتعمد بث الخوف للحفاظ على نظام الدولة، مستغلًا –الانقلاب- الخوف كإحدى وسائل إضفاء الشرعية على النزعة السلطوية، واستغلال المخاوف الجماعية لتوجيه الرأي العام وتبرير اتخاذ تدابير استثنائية مجحفة تجاه الديمقراطية في عمومها، كان من ضمن حزم نشوب الحرب.

حتى أن الخطاب السياسي التعبوي حينها -وإلى يومنا هذا- اتخذ منحى أن هنالك تهديدًا وخطرًا يلوح في الأفق لتحريك عوامل الخوف. وبالتالي الحد من قدرات المجتمع على الفعل السياسي.

لجأ البرهان وزمرته إلى حيلة ذكية في خطابهم السياسي، بتوظيف الخوف من التهديدات الخارجية كذريعة لتمرير إجراءات أكثر قمعية، تجاه ما يرونه من تهديدات داخلية لإضعاف معارضيهم وإسكاتهم.

سار على ذلك النهج، الإعلام المدجن والمؤيد للبرهان وجوقة السياسيين الموالين، بألا اتفاق أو وفاق مع من يخالفهم الرأي، مع نعتهم بالعمالة والارتزاق، غير مدركين أنهم يرفعون شعار اتفقنا ألا نتفق.

كان يمكن للحرب السودانية أن توفر فرصة تاريخية بتواضع الجميع واتفاقهم على مسلمات وطنية، وتعظيم دور الحكم المدني، وتحديد ما للعسكر وما للوطن، وإنهاء لعبة تبادل الكراسي ما بين المدني والعسكري.

ولكن ذلك كله يبدو أقرب للحلم من الحقيقة، فكلٌّ يغني على ليلاه... مستمتعين بشتائم الجبلية (ما بسايره مجنونة مافي زول دايره)... فالكلُّ لا يريد الكل.. فيضيع أي حوار سوداني واتفاق.

إن السودان في حاجة لشيئين: عقول متفتحة لإدراك حجم الكارثة المحدقة بالسودان، والعمل على حلها، وإدراك أن طريق الخلافات لن يؤدي إلا إلى (فرتكة السودان).

كذلك إلى مَن يحملون مخزونًا معرفيًا وفاقيًا، يستطيع أن يرتق شملة (كنيش).

فهل نحن مدركون حقيقة الضياع وحجم الكارثة، وحان وقت الاستفاقة أم ما زلنا نتحرك بمبدأ "البل والجغم".

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...