أبوهريرة زين العابدين عبد الحليم

أواصل تفنيد مبررات الحرب وطموحات الجنرالات، وأحاول تفكيك قضية الدولة والحكومة، وهل الجنرال البرهان هو الدولة أم رأس حكومة انقلابية عسكرية ارتكتبت أخطاء قاتلة أوصلتنا لما نحن فيه من محنة الكريهة وحرب الجوع والنزوح وحرب داحس وغبراء عصرنا؟

فما المقصود عندما يقول البعض نحن نقف مع الدولة وليس مع البرهان، وهل البرهان هو الدولة أم أصبح مثل السادات عندما سألوه عن الديمقراطية والانتخابات والشعب فقال لهم "أنا الشعب".

الدولة كيان دائم يشمل الأرض والشعب والمؤسسات والسيادة والقانون، وهي أوسع من الأشخاص والحكومات المتعاقبة؛ أما الحكومة فهي جهاز مؤقت يدير شؤون الدولة ويمارس السلطة التنفيذية باسمها، وقد تكون منتخبة أو انتقالية أو انقلابية، وتزول الحكومة أو تتغير من دون أن تزول الدولة نفسها. لذلك فالخلط بين الدولة والحكومة يفتح الباب لتقديس الحاكم أو المؤسسة الحاكمة، بينما الوقوف مع الدولة يعني حماية مؤسساتها وحقوق مواطنيها ووحدتها وسيادتها، لا تبرير أخطاء حكومة بعينها أو مساواة رأس السلطة الإنقلابية "البرهان" بالدولة كلها.

لذلك هذا الكلام ينم عن جهل وعدم وعي بالفرق بين الدولة والحكومة، وكأنما البرهان هو الدولة والدولة هي البرهان. فهل حافظت حكومة البرهان الانقلابية على كيان الدولة بالمفهوم البسيط للدولة من مواطنين وأرض وعرض وأمن؟ بالعكس، فبالدخول في هذه الحرب اللعينة تقلص كيان الدولة ولم تعد لها سيادة على أغلب كردفان ودارفور، والشعب لم يجد الأمن ولم يجد قوت يومه، وتقلصت سيادة الوطن، لذلك فهو ليس الدولة، بل مجرد حاكم طاغية، رئيس لحكومة منقوصة السيادة ومنزوعة دسم الشرعية ومنتهية الصلاحية الانتقالية، وأول حكومة تفقد نصف كيان السودان لمليشيا أو تمرد على المركز عبر الحرب.

لذلك فالاستمرارية في الحرب يهدد كيان الدولة وربما يساعد "كيان" البرهان كرئيس انقلابي. بعد أن أوضحت أن الوقوف مع البرهان ليس هو الوقوف مع الدولة، بل المهدد الأول للدولة لو كان لهم قلب أو يعقلون أو لهم بصارة سياسية.

وفقًا لمفهوم الدولة، فقد تقلصت حكمًا وسيادة وشرعية، وبالنسبة للحكومة فأتى ببيدق لا لون له ولا طعم ولا رائحة، وأصبح حديث السودانيين فيمن يحمل أسفارًا وشهادات بلا عقل أو وعي، ومن ضمنها عندما زار دولة أجنبية وهتف مع الهتيفة "يعيش الرئيس"، أو عندما يعقد مؤتمرًا صحفيًا، فهو بلا خبرة أو تجربة وكل تاريخه السياسي أنه نظم لقاء بين المهدي والترابي عام 1998م، ومتهم بتزوير عمره في شهادات في منظمة الملكية الفكرية، فهو يشبه رئيسه البرهان فوافق شن طبق.

ففي ظل حكمه تقلصت الدولة ولا وجود لحكومة شرعية، حيث انقلب البرهان على الحكم الانتقالي الشرعي، والآن يحاول أن يقيم حوار "الوثبة-٢"، ولو تذكرون في حوار الوثبة الذي كان يجب أن يتنحى فيه البشير أصر واستكبر واستبدل الخطاب بكلام لم يستطع قراءته وسقط بعدها عبر ثورة ديسمبر العظيمة.

أيضًا في ظل حكمه تناسلت المليشيات وبلعت كيان الدولة التي يقولون إنهم يريدون أن يحافظوا عليها، وأول أسس الدولة هي سيطرتها واحتكارها للعنف عبر جيش قومي يمثل فسيفساء الوطن، وكل يوم تدخل مليشيا جديدة في ظل عجز الجيش عن تدريب مشاة أو تفعيل خدمة الزامية، وقد ساعد حميدتي ليكون عنده جيش أكثر عددًا من القوات المسلحة التي أصبح ضباطها ملكية على قولهم، بلا عقل عسكري استراتيجي، وتجارًا. وقالوا له سوف نتخلص من الدعم السريع في ثلاث ساعات، وها نحن في السنة الرابعة. لذلك فالبرهان ليس هو الدولة، بل عسكري انقلابي يريد أن يكون رئيسًا كما أسلافه من الطغاة.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...