طاهر المعتصم
يقولون إن الذهب لا يُعرف معدنه إلا عند النار، وإن الرجال والنساء لا تُعرف معادنهم إلا في أوقات الشدة. ولعل السنوات الثلاث الماضية كانت امتحانًا قاسيًا لكثير من الأشخاص، فمنهم من غادر المشهد، ومنهم من اكتفى بالمشاهدة، ومنهم من ظل وفيًا لمواقفه، لا تغيره العواصف ولا تنال منه حملات الإساءة.
وسط هذا المشهد، يبرز اسم الدكتورة أماني الطويل، الباحثة والكاتبة المصرية التي لم تكن علاقتها بالسودان علاقة باحث بموضوع للدراسة، وإنما علاقة إنسان بوطن أحبه فعرفه وعرف أهله. فمنذ أن وطأت قدماها الخرطوم في مقتبل حياتها المهنية، وهي صحفية حديثة التخرج، دفعت ثمن اقترابها من الحقيقة، حتى تعرّضت للاعتقال على أيدي أجهزة النظام السابق. غير أن تلك الواقعة لم تزرع في نفسها مرارة، بل عمّقت ارتباطها بالسودان، لتبدأ رحلة امتدت لعقود من البحث والكتابة والانحياز للحقيقة.
لم تكتف الدكتورة أماني بإنتاج الدراسات وأوراق تقدير الموقف التي أصبحت مراجع مهمة لفهم الشأن السوداني، بل ظلت صوتًا عاقلًا في زمن ارتفعت فيه أصوات الانفعال. وحين جاءت الحرب في أبريل 2023م، وما صاحبها من استقطاب حاد وحملات تخوين منظمة ضد كل رأي مستقل، كانت تعلم أن السير في طريق الكلمة الحرة ليس طريقًا مفروشًا بالورود. ومع ذلك، لم تبدِّل موقفًا، ولم تستبدل لغة العقل بلغة الضجيج.
غير أن أجمل ما في سيرتها لم يكن ما كتبته، وإنما ما فعلته. فمنذ اندلاع الحرب، كانت أبوابها مفتوحة للسودانيين في مصر، تسمع شكواهم، وتتابع قضاياهم، وتخاطب الجهات الرسمية كلما استدعى الأمر ذلك، إيمانًا منها بأن الباحث الحقيقي لا ينفصل عن الإنسان. ولم يكن غريبًا أن يتحول منزلها، مع زوجها الدكتور مجدي عبد الحميد، إلى محطة يلتقي عندها السودانيون في أفراحهم وأتراحهم، وأن تجدها حاضرة حيثما كان أبناء السودان، سواء في القاهرة أو في عواصم العالم التي تستضيف جالياتهم.
ولذلك، لم يكن مستغربًا أن يبادر قبل أشهر عدد من الصحفيين والمحامين والمبدعين والشخصيات العامة السودانية، إلى إطلاق مبادرة لتكريم ابنة وادي النيل، التي اختارت أن تكون جسرًا للمحبة بين الشعبين، ومن المنتظر أن يقام هذا التكريم في سبتمبر المقبل، بإذن الله. إنه تكريم مستحق، لا لشخصها فحسب، وإنما لقيمة الوفاء التي أصبحت عملة نادرة في هذا الزمن.
إلى الدكتورة أماني الطويل نقول: لا تلتفتي إلى حملات الإساءة، فهذه ضريبة يدفعها كل صاحب موقف. وكما يقول أهل السودان: يا جبل ما يهزك ريح. أما نحن، فسنظل نؤمن بأن ما يجمع السودان ومصر أكبر من خلافات السياسة، وأن الجسور التي يبنيها أصحاب القلوب الكبيرة تبقى أطول عمرًا من كلِّ محاولات الهدم.
في زمنٍ تتكاثر فيه الجسور المهدَّمة بين الشعوب، ظلت أماني الطويل تبني جسرًا لا تهدمه السياسة ولا تعصف به الحروب... جسر المحبة بين السودان ومصر.




التعليقات (0)
جاري التحميل...