د. عبد المحمود أبو

 

نبي الرحمة جاء منقذًا للإنسانية من الظلمات إلى النور.

وَقِيلَ كلُّ نَبِيٍّ عِندَ رُتْبَتِهِ

ويَا مُحَمَّدُ هَذَا العَرْشُ فَاسْتَلِمِ

تأتي ذكرى مولد المصطفى صلى الله عليه وسلم هذا وبلادنا لا تزال ترزح في مستنقع الحرب التي أُزْهِقَتِ فيها الأرواح البريئة، وانتهكت في ظلها الحرمات المعظمة، وَدُمِّرَتِ بسببها الممتلكات العامة والخاصة، وألقت الفتنة بظلالها على كلِّ مظاهر الحياة، فتأثر بها الأفراد والمجتمعات.

اللهم أرحم الذين فقدوا أرواحهم بسبب الحرب، وألهم أسرهم الصبر الجميل وعوض الذين فقدوا ممتلكاتهم بأبرك مما فقدوا.

في ظل هذه الأوضاع، علينا أن نستصحب سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونستلهم منها الدروس والعبر لمواجهة آثار الفتنة التي حلت  ببلادنا، فالرسول صلى الله عليه وسلم بحكمته ومنهجه وتعاليمه غيَّرَ الحياة من مظاهر الجاهلية إلى حيث الرحمة والعدل والسماحة التي جسدها بالقدوة وذلك على النحو التالي:

أولًا: فض النزاع بالحكمة؛ فعندما أعاد أهل مكة بناء الكعبة بعد أن جرفتها السيول -وكان ذلك قبل البعثة ببضع سنين- اختلفوا في وضع الحجر الأسود في مكانه، فكل قبيلة أرادت أن تضع الحجر لتنال الشرف، فتنازعوا وكادوا أن يقتلوا، ولكن كبيرهم اقترح عليهم أن يحكِّموا أول من يدخل عليهم من باب الصفا فوافقوا، وكان الداخل هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فلما رأوه قالوا بصوت واحد: "هذا الأمين رضينا به حكمًا"، ففض النزاع بإشراك جميع زعماء القبائل في وضع الحجر.

ثانيًا: اتباع الحوار وسيلة لعرض الدعوة؛ فعندما أمره ربه بتبليغ الدعوة قائلًا: "وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ"، نادى أهل مكة فلما اجتمعوا إليه قال لهم: "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: "أرأَيْتُم لو أخبَرْتُكم أنَّ خَيلًا بسَفْحِ هذا الجبلِ تُريدُ أنْ تُغِيرَ عليكم أصدَّقْتُموني"؟ قالوا: نَعم، قال: فإنِّي {نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} [سبأ: 46].

ثالثًا: الصبر وتحمل الأذى؛ ظل رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة يواجه صدودًا من أهله، وتعرض هو وأصحابه للأذى الجسيم، فكان يأمر أصحابه بالصبر والتحمل، وبين لهم أن التضحية نهايتها النصر بإذن الله "والذي نفسي بيده لَيُتِمَنَّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر الموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون".

رابعًا: الرحمة للعباد؛ فعندما أساء أهل الطائف معاملته، ودعا الله جاءه ملك الجبال ليدمر المعتدين، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا، إني لأرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئًا".

خامسًا: تأسيس دولة المواطنة؛ فعندما هاجر للمدينة وجد المجتمع يقوم على التعدد، فوضع صحيفة المدينة كأول دستور مكتوب في التاريخ الإنساني ينص على حقوق جميع المواطنين باختلاف أديانهم وثقافاتهم وأعرافهم وأنهم جميعًا متساوون في الحقوق والواجبات تطبيقًا لقوله تعالى: "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ" [النحل:90].

سادسًا: العفو عند المقدرة؛ في العام الثامن للهجرة فتح مكة ومعه قوة تزيد على عشرة آلاف مقاتل، فجلس أهل مكة الذين آذوه وعذبوا أصحابه وأخرجوهم من ديارهم ينتظرون العقاب، فخاطبهم قائلًا: "يا معشر قريش ما تظنون أني فاعل بكم؟ "قالوا خيرًا أخ كريم وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء".

سابعًا: بين أن مشروعية القتال في الإسلام توجبها ثلاثة أمور هي: الدفاع عن النفس، ورفع الظلم والعدوان، ومواجهة الطغيان بكل مظاهره، قال تعالى: "إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ، أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ"[الحج:38-40].

لقد أمرنا الله سبحان وتعالى أن نقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا"[الأحزاب:21]، وأن محبة الله تعالى تتحق باتباع النبي صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: "قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ"[آل عمران:31].

علينا أن نترسم خطاه صلى الله عليه وسلم، ونتبع منهجه ونلتزم بقيم المحبة والسماحة والرحمة في تعاملنا لنحقق مجتمع "كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ"[آل عمران: 110].

إن سيرته العطرة تبين لنا خارطة الطريق لإقامة مجتمع الاستخلاف والتزكية؛ للتعامل مع بعضنا بعضًا بمكارم الأخلاق، ومع مفردات الكون انتفاعًا واستثمارًا وائتمانًا بمفهوم الاستخلاف الإيماني؛ قال صلى الله عليه وسلم: "إن من الناسِ مفاتيحُ للخيرِ، مغاليقُ للشرِ، وإن من الناسِ مفاتيحُ للشرّ، مغاليقُ للخيرِ، فطوبى لمن جعلَ اللهُ مفاتيحَ الخيرِ على يديهِ، وويلٌ لمن جعلَ الله مفاتيحَ الشرِّ على يَدَيْهِ".

اللهم اجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر، وحَبِّبْنَا في نبيك محمدٍ صلى الله عليه وسلم إذْ أنه دلَّنا إليك وتلَقَّى الوحيَ منك فبلغهُ فَوَصَلَ إلينا بفضلك فصل اللهم وسلم عليه وعلى آله عدد المتصلين به لك الواصلين بنوره صلى الله عليه وسلم.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...