عبدالله برير
لم يحظَ فنان سوداني بإجماع أبناء جلدته، مثلما حظي المطرب الراحل محمود عبد العزيز، الذي جمع الشيب والشباب على مسافة واحدة من الاتفاق على فنه الأنيق وشخصه اللطيف.
وبعد مرور سنوات على وفاة (الجان)، كما يحلو لمحبيه، رحل جسد محمود، وبقيت أغنياته تمشي بين الناس الذين دخل محمود قلوبهم وبيوتهم، وسيبقى فيها وترًا وشخصًا.
لم يألِ (الحاج) جهدًا في سبيل تطريب محبيه، سواء عبر أغنياته الخاصة أو بترديد أغنيات الآخرين، التي أضاف إليها محمود جمالًا فوق جمالها.
أصبح (الحوت) نسيجًا وحده، بعد تشبعه بفنه وتماهيه مع جمهوره، ليرتقي إلى مصاف عظماء الفنانين السودانيين، وكأنه دولة قائمة بذاتها، لها شعبها المسمى بـ(الحواتة) نسبة إلى زعيمهم محمود، ولغتهم الخاصة المشتقة من كلمات الأغاني وعبارات الرجل نفسه، ودستورهم الخاص، وعنوانه البساطة.
محمود، الذي خاطب أحلام الشباب العاطفية والوطنية، ترك إرثًا هائلًا من التطريب الرفيع، والفن المنساب من حنجرة الفتى الوسيم، المحب لمشروعه، والمخلص لمحبيه.
وأكثر ما ميّز الراحل محمود عبد العزيز علاقته المتوطدة مع معجبيه، التي لم تكن أبدًا علاقة كأي فنان بمستمعيه، بل تعدتها إلى ما يشبه، بل يفوق، وشائج الأرحام.
"شعب الجان"
التحام (الجان) مع (شعبه) أفرز مجتمعًا (محموديًا) بحتًا، يتشابه أفراده في الأحلام والرؤى، ويجمعهم حب زعيمهم الشاب.
فنيًا، فاق صوت محمود حد الدهشة، وغطت مساحاته الواسعة قلوب المتذوقين لفنه، إذ يعد من أميز الأصوات التي مرت على الأغنية السودانية، حتى إن الروس شبهوه بصوت الآلة عندما أُنتج شريط (سكت الرباب) على أراضيهم.
وسيطر محمود على سوق شرائط (الكاسيت)، وصار الناس ينتظرون ألبوماته على أحر من (الفن)، في وقت حطم فيه (الحاج) الأرقام القياسية في الحضور الجماهيري بالمسارح، رغم إطلالاته المتعددة وظهوره الكثيف على خشباتها.
جمع محمود جمهوره من الجنسين، ومن الشيب والشباب، وغنى للمحرومين والجوعى والتعساء، وغنى للفرح ولـ(يوم بكرة)، وخاطب الأطفال، وطبطب على الأمهات: (من الظروف ما تشيلي هم).
رحيل (الجان) خلّف جرحًا عميقًا يصعب أن يندمل في قلوب محبيه، فقد حفر عميقًا في أفئدة العامة والبسطاء بفن راقٍ ولطيف يفهمه القاصي والداني. ذهب محمود، وترك أغانيه تجالس الناس في خلواتهم وأسواقهم، وتحوم عباراته الشهيرة في أجهزة السيارات، وهو يصدح بلبلًا غريدًا. وترافق ألحانه الحواتة، يدندنون بها في وعيهم ووجدانهم، وترتسم صورته على زجاج الحافلات، وحوائط بائعات الشاي، ودواليب جيل التسعينيات، وتنوم كلماته هائمة على ظهور (الركشات)، وتنبض بها أفئدة المحبين.
عاد محمود محمولًا في نعش، بذات بساطته، يسعه قبر على الثرى، محاطًا بدائرة لا متناهية من الحب والاحترام. استقبل جثمانه آلاف المحبين بمطار الخرطوم، ووضعوه في مثواه الأخير، بينما حملوا فنه والتزامه في قلوبهم وعلى أعناقهم.




التعليقات (0)
جاري التحميل...