محمد الأمين عبد النبي
يحذر تقرير صادر عن "التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي"، من أن ظروف الجفاف باتت تغطي نحو نصف الأراضي الزراعية في السودان. ويستند التقرير إلى تراجع الأمطار عن معدلاتها المعتادة وارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية وتراجع الكتلة الحيوية النباتية. وحسب التقرير، تتفاوت الأضرار بين الولايات؛ ففي شمال دارفور يعاني (64%) من الأراضي الزراعية ضعف نمو الغطاء النباتي، وتبلغ النسبة نحو (50%) في جنوب دارفور وغرب كردفان وجنوب كردفان، حيث سُجّل عجز شديد في المياه يثير المخاوف بشأن قدرة المحاصيل على استكمال دورة نموها. وكانت منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) قد حذرت في سبتمبر من انخفاض الأمطار التراكمية بين يونيو ومنتصف أغسطس بنحو (20%) في سنار و(30%) في القضارف، مقارنة بالمتوسط طويل الأجل.
كذلك يواجه الموسم الزراعي في مشروع الجزيرة تعثرًا حادًا وفقًا لبيان تحالف مزارعي مشروع الجزيرة والمناقل الصادر في أكتوبر 2026م. فالمساحة المزروعة لم تتجاوز 600 إلى 700 ألف فدان من مساحة مقترحة تفوق المليون فدان، وسط تأخر الزراعة ونقص التمويل والمدخلات وتعثر انسياب مياه الري وعطش مساحات واسعة من المحاصيل.
فالبلاد منهكة بالحرب، ومؤسسات الدولة متآكلة ورقعة انعدام الأمن الغذائي تتسع، فيما يواجه الإنتاج الزراعي خسائر كبيرة تمتد آثارها إلى الأسواق والإمدادات الغذائية وفرص العمل بفعل شح الأمطار وارتفاع درجات الحرارة، فضلًا عن عدم تطهير القنوات وضعف التمويل وارتفاع تكاليف التقاوي والوقود، واختلال إدارة الري. تعكس هذه المشكلات في جانب أساسي منها ضعف النظم الإدارية والمؤسسية؛ إذ تقع الكارثة حين تلتقي الصدمة المناخية بمنظومة عاجزة عن الاستعداد لها أو الحد من آثارها.
وتعمّق الحرب هذا العجز من خلال تآكل مؤسسات الدولة التي يُفترض أن ترسم السياسات الزراعية وتوفر المعلومات المناخية وتحمي البنية التحتية وتنظم التمويل، ولكنها فقدت قدرتها على أداء هذه الوظائف. واستنزفت الحرب الاقتصاد وعطلت سلاسل الإمداد والتسويق، وهجّرت المزارعين وحدّت من قدرتهم على مواجهة نقص الأمطار، وتكاليف الإنتاج المتزايدة.
وتمتد التداعيات إلى الثروة الحيوانية التي تمثل مصدر رزق رئيسي لملايين السودانيين؛ إذ يعمل نحو (80%) من القوة العاملة في الزراعة والرعي، ويسهم القطاع بنحو (31.8%) من الناتج المحلي وفقًا لبيانات بنك السودان المركزي. ومع انحسار المراعي التي تُقدّر بنحو 115.4 مليون رأس. كما يتوقع التقرير الأممي انخفاض الطلب على العمالة الزراعية خلال موسم الحصاد وتراجع نشاط أسواق الماشية، وهما من مصادر الدخل الأساسية للأسر الفقيرة.
ومن المعلوم أن المجاعة ترتبط بنقص الغذاء وبقدرة الناس على الوصول إليه وشرائه، وسلامة سلاسل الإمداد واستقرار الأسواق وضمان وصول المساعدات الإنسانية. ويحذر التصنيف المرحلي من أن استمرار الجفاف سيزيد انعدام الأمن الغذائي لدى ملايين يعانون أصلًا من الأزمة أو ما هو أشد ولا سيما الأسر المعتمدة على الزراعة. وهكذا تتفاقم مخاطر المجاعة مع تراجع الإنتاج وتعطل الاستجابة الإنسانية واستمرار الحرب.
أصبح التدخل العاجل للمؤسسات الدولية في السودان ضرورة إنسانية قصوى لإنقاذ ملايين المدنيين من خطر المجاعة والتدهور المعيشي غير المسبوق، ووقف الانهيار الشامل للقطاع الزراعي الذي يُعد شريان الحياة للاقتصاد والأمن الغذائي.
ويتطلب ذلك تأمين مياه الري وتوفير المدخلات وحماية المزارعين ودعم الإنتاج المطري وتعزيز المساعدات الإنسانية. وعلى المدى البعيد يحتاج السودان إلى استراتيجية للأمن الغذائي والتكيف مع تغير المناخ، تربط إدارة المياه بالتخطيط العلمي والإنذار المبكر.
غير أن أية معالجة ستظل محدودة ما لم تتوقف الحرب واستعادة المسار المدني وبناء مؤسسات قادرة على حماية حياة السودانيين، فالأمن الغذائي هو قضية السلام الأولى.




التعليقات (0)
جاري التحميل...