زورق الحقيقة

أبو هريرة زين العابدين عبد الحليم

 

تاريخيًا منذ الاستقلال، تحوّل الجيش في السودان من مؤسسة مهنية إلى لاعب سياسي مباشر، وأصبح أكبر حزب مسلح منظم، وأيضًا تحول لأكبر تاجر في عهدي البشير والبرهان، بينما انزلقت النقابات والمنظمات المهنية إلى العمل الحزبي السياسي المباشر أو عبر اختراقات من أحزاب أي السندكالية التي تعني في أحد صورها الحكم عن طريق النقابات، وتحوّلت الأحزاب نفسها إلى كيانات مسلّحة أو كونت جيوشًا أو ميليشياتٍ أو اخترقت المؤسسة العسكرية أو اخترقتها المؤسسة العسكرية أو جهاز الأمن، وبالمقابل تحولت الميليشيات للعمل السياسي مثل الدعم السريع الذي ظل يغير دوره ووظيفته، وأيضًا دخلت القبيلة والغنيمة والعقيدة في السياسة وفي تمليش السياسة وتسييس الميليشيات، فالإنقاذ خلقت دولة زبائنية تلعب الغنيمة دورًا كبيرًا في تراتبيتها وأيضًا القبيلة والعقيدة.

هذا التداخل أنتج ثلاث ظواهر خطيرة:

•  تسييس الجيش عبر إنشاء خلايا حزبية داخل المؤسسة العسكرية، كما فعلت الجبهة الإسلاموية التي سيطرت على السلطة عبر الجيش عام 1989م. وأيضًا بإنشاء ميليشيات لتساعد الجيش وتتحول هذه الميليشيات رويدًا رويدًا وتكبر وتكون أكبر من الجيش الذي صنعها وتتحوّل أو تحاول أن تكون جيشًا بديلًا أو حزبًا، وتغيِّر وظيفتها من عسكرية لسياسية، وهذا أكبر مأزق دخل فيه الوطن جراء سلطة شمولية، وكان البشير يفكر في حماية حكمه عند تكوين الدعم، وجاء البرهان وحاول أن يحتمي بالدعم، وفتح له التسليح والتجنيد والتجارة والعلاقات الخارجية، فأصبح أكبر من الجيش، والآن تصل عدد الميليشيات لأكثر من مائة.

•  تمليش السياسة: حين تبني الأحزاب ميليشيات للضغط السياسي أو لحماية مصالحها، أو عند تكوين ميليشيات وقوى مسلحة لجني مكاسب سياسية.

•  عسكرة وتسييس النقابات المهنية، أي عندما تتحول النقابات من الدفاع عن حقوق العاملين إلى أدوات صراع سياسي سندكالي لتشارك في الحكم.

هذه الديناميكية -أي التمليش ودخول الجيش في السياسة-، كانت أحد الأسباب المباشرة للحرب الأخيرة، حيث تمدد المكوّن العسكري (الجيش والدعم السريع) في الفضاء السياسي والاقتصادي والدبلوماسي الخارجي، أولًا إبان الفترة الانتقالية، وتحوّلت الميليشيات إلى قوى موازية للجيش، فبعد أن كانا سمنًا على عسل حتى الانقلاب على الحكم المدني، بدأ الصراع بينهما ولطبيعة العسكرية والشمولية في أنها لا تقبل رأسين وهيكلين وقيادتين، فكان حتمية قيام الحرب لسيطرة أحدهما على كلِّ شيء.

كيف يمكن ضبط دور كل طرف؟

1. إعادة الجيش إلى ثكناته:

حتى في فترة الانتقال، لا يجب إدخال قادة الجيش في المجالس السياسية أو منحهم أي دور سياسي وهم في الخدمة. فدخول العسكري في السياسة يفسد العسكري ويفسد السياسة. الجيش يجب أن يكون مؤسسة مهنية محايدة، لا لاعبًا سياسيًا. ويتحقق ذلك عبر:

•  دستور واضح يحظر تدخل القوات النظامية في السياسة.

•  مجلس أمن قومي مدني- عسكري، يحدد دور الجيش في الأمن القومي فقط.

•  حظر إنشاء ميليشيات أو قوات موازية تحت أي مسمى.

•  إخراج الجيش من الاقتصاد والتجارة وإخضاع الشركات العسكرية لرقابة البرلمان.

2. إعادة النقابات إلى دورها المهني وإبعاد السندكالية السياسية.

النقابات ليست أحزابًا سياسية، فدورها:

•  الدفاع عن حقوق العاملين.

•  تحسين شروط العمل وإقرار شهادات متخصصة لتطوير المهن.

•  التفاوض المهني لا العمل السياسي المباشر.

يمكن الاستفادة من نموذج النقابات في جنوب أفريقيا التي لعبت دورًا سياسيًا في مرحلة النضال، لكنها عادت لاحقًا إلى دورها المهني بعد انتهاء الفصل العنصري.

3. تنظيم الأحزاب ومنع عسكرة السياسة

الأحزاب يجب أن تعمل داخل المجال المدني فقط:

•  قانون أحزاب صارم يمنع التمويل غير المشروع ويحظر الأجنحة المسلحة.

•  منع اختراق الجيش عبر خلايا حزبية أو ولاءات تنظيمية.

•  انتخابات نزيهة تمنع ترشح قادة الميليشيات والجيش أو المتورطين في جرائم حرب إلا بعد خلو سجلهم من أية جرائم حرب وانتهاكات حقوق الإنسان وبعد إنهاء الخدمة العسكرية.

4. إعادة تعريف دور المجتمع المدني

منظمات المجتمع المدني يجب أن تكون:

•  مراقبًا للسلطة.

•  مدافعًا عن الحقوق.

•  وسيطًا بين الدولة والمجتمع لا لاعبًا سياسيًا مباشرًا.

لا يجب أن تتحول إلى أدوات حزبية أو منصات تعبئة سياسية.

تجارب دولية نجحت في حلِّ المعضلة:

1. تشيلي بعد حكم بينوشيه.

•  الجيش كان لاعبًا سياسيًا قويًا.

•  تم وضع دستور جديد يحدد دور الجيش بدقة.

•  تم إخراج الجيش من الاقتصاد والتجارة والسياسة.

•  أعيدت هيكلة الأجهزة الأمنية.

النتيجة: جيش مهني وديمقراطية مستقرة إلى حدٍّ ما.

2. إندونيسيا بعد سقوط سوهارتو:

•  كان الجيش يملك "مقاعد محجوزة" في البرلمان.

•  تم إلغاء هذا الامتياز.

•  تم دمج الميليشيات المحلية في برامج  DDR.

•  تم بناء نظام حزبي مدني بالكامل.

3. رواندا بعد الإبادة الجماعية:

•  كان ازدواج الميليشيات والقبلية جزءًا من الحياة السياسية.

•  تم نزع السلاح بالكامل.

•  تم بناء جيش وطني واحد.

•  تم منع الخطاب السياسي القائم على الانتماءات الضيقة، ومنع القبلية ويعاقب القانون إذا سألت أي شخص عن قبيلته. فعندنا الآن خطر مستقبلي يتمثّل في زواج القبيلة والميليشيات.

4. جنوب أفريقيا:

•  النقابات لعبت دورًا سياسيًا أثناء النضال.

•  بعد الانتقال، تم فصل العمل النقابي عن الحزبي.

•  الجيش أعيد هيكلته ليصبح مؤسسة مهنية غير مسيّسة.

ما الذي يمكن أن يتعلمه السودان؟

1. لا دولة بلا جيش مهني واحد.

2. لا ديمقراطية بلا أحزاب مدنية غير مسلّحة.

3. لا استقرار بلا نقابات مهنية مستقلة لا نقابات تمارس السندكالية.

4. لا سلام بلا نزع سلاح شامل وبرامج دمج وتسريح.

5. لا انتقال ناجح بلا دستور يحدد الأدوار بدقة.

القبيلة:

تلعب القبيلة دورًا كبيرًا في كلِّ شيء في بلدنا، فمثلًا إحصاءات الجيش، أن ضباطه من مناطق محدّدة في مثلث حمدي، وعساكره من مناطق أخرى، وأيضًا قد تم تكوين ميليشيات تستند على أساس قبلي كمهدد للوحدة الوطنية مستقبلًا، ويجب الاستفادة من تجربة رواندا في منع القبلية أو حتى السؤال عن قبيلة الشخص، وأيضًا خوض غمار العمل السياسي عن طريق القبيلة.

خاتمة

السودان لا يحتاج إلى حلول مكررة فشلت وتفشل بقدر ما يحتاج إلى إرادة سياسية وقواعد واضحة ومؤسسات قوية. التجارب الدولية تُظهر أن ضبط العلاقة بين الجيش والسياسة وفصل البندقية عن السياسة وأن تقوم النقابات بدورها ووحدة وطنية تقلل من ظل القبيلة، هي مفتاح الاستقرار. وأن بناء دولة مدنية حديثة يبدأ من تحديد دور كل طرف، ومنع أية مؤسسة مهما كانت من تجاوز حدودها ويجب وقف فوضى السياسة والعسكرية والتمليش والقبلية والسندكالية. وأيضًا لا بدَّ من فصل القبيلة عن السياسة، وفصل البندقية عن السياسة، وفصل الميليشيات عن السياسة وعن الجيش، وإنهاء وجودها مستقبلًا لصالح جيش قومي واحد.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...