حتى لا... ننسى
د. منى الفاضل
manoiaalfadil18@gmail.com

كانت الخيانة أكبر معول هدم استخدمه السياسيون تجاه بعضهم في مشكلات الوطن؛ إذ لم يفهموا أن إرادة الشعوب، مهما طال عليها الجور والظلم، لا بد أن تنتصر. وبديهيًا أنهم لا يهتمون برغبات هذه الشعوب، لأنهم لا يعملون من أجلها أساسًا.

وصارت كلمة «الخيانة» سلاحًا يُشهر في وجه الآخر، حمايةً لما يفعلونه من وراء ظهر الشعب، وهم يعلمون أنه يصب في مصلحة الدكتاتور المتعنت، المستمر في ظلمه دون نية للتوقف.

وأصبح المواطن، صاحب الحق، يتخوف من قول الحق دفاعًا عن نفسه ووطنه، لأنه قد يوضع في خانة العميل أو المعادي لوطنه إذا نطق بالحقيقة. وبذلك خفت صوت الحق الذي ينبغي أن يكون عاليًا، حتى في المؤتمرات والمناقشات والاجتماعات التي تحدد مصير الوطن والشعب. وأصبح من يتحدث عن الحقوق مدانًا، فيؤثر الابتعاد حتى لا يُوصم بالخيانة، أو يتردد في قول رأيه خشية هذا الاتهام في قضايا مصيرية ومهمة، كما حدث عندما اعتذرت قوى إعلان المبادئ عن حضور اجتماع الآلية الخماسية الذي دُعيت إليه في أديس أبابا.

إن اعتذارًا كهذا، رغم أن أسبابه قد تُقدَّر وتُحترم من منظور المشاعر والأحاسيس، إلا أنه، من منظور العقل والواقع، يثبت مدى تأثير دعاية التخوين التي انتشرت كالنار في الهشيم بين أفراد الشعب، وبين الكيانات السياسية، وحتى بين المواطنين، حتى أصبح باب الثقة نفسه أكبر أبواب الخوف التي يتردد الجميع في عبورها.

لم تُهزم الحكومات، ولا الممالك، ولا الإمبراطوريات التي زال حكمها عبر التاريخ، إلا بعد أن توحدت شعوبها ومن يمثلونها في مواجهة الظلم، والدفاع عن الحق، وعن أوطانهم. فالوطن ملك للشعوب، وليس للحكام، وهذا ما يجعل أبناءه يشتركون في الإحساس ذاته الذي يدفعهم للدفاع عنه بيد واحدة وقلب واحد، ضد الخونة من أبنائه، وضد من يعادونه من الخارج.

إن الشائعات التي بات كثيرون يتداولونها، وما رافقها من ترسيخ لفكرة أن كل من لا يتفق مع واقع الظلم الواضح للعيان هو خائن، وما زُرع من انطباعات مفبركة، هي التي صنعت هذه الحالة، وأبعدتنا كثيرًا عن نصرة قضيتنا ونصرة الوطن.

فهل آن الأوان لشتيتنا أن يجتمع؟

لقد أصبح من العيب، بعد كل ما حدث لنا، وبعد كل الحقائق التي كُشفت، أن نظل واقفين في المكان نفسه، وفي الموقف السلبي والخاطئ، نتابع كل ما يفرقنا دون أن نسعى إلى إيجاد حلول للخروج من هذا المأزق، بل نتعايش معه وكأنه أمر طبيعي.

ويستمر الظالمون في طغيانهم، يعمهون، ويتربعون على رؤوسنا وأنفاسنا، بينما ننظر ونصفق، وكل ما يهمنا من حولنا يتدمر.

إلى متى سندرك أن كلمة «الخيانة» التي وضعوها بديلًا للحق، وأن دحضها وتكذيبها ومحاربتها، هو انتصارنا الحقيقي، وهو الطريق إلى السلام، والخلاص من الحرب الدائرة في الميدان، ومن حرب سلوكية أخرى اتبعناها فيما بيننا، وكانت أشد تدميرًا من الحرب نفسها؟

لقد ظللنا ندور في هذه الدائرة منذ أكثر من ثلاث سنوات، وما زلنا مستمرين، نكبر في التخوين، ونصغر في الدفاع عن حياتنا ووطننا.

ودمتم...

 

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...