طاهر المعتصم
بينما تبدو "الخماسية" الدولية وكأنها تدور في الحلقة ذاتها، من اجتماع إلى آخر، ومن لجنة تحضيرية إلى أخرى، تلوح في الأزمة السودانية نافذة صغيرة قد تقود إلى انفراجة. هذه المرة لا تأتي من الخارج، وإنما من تحرك سوداني مباشر، تمثّل في لقاء مزمع عقدُه بين وفد من الشخصيات السودانية مع الفريق أول عبد الفتاح البرهان، اليوم أو خلال الأيام القادمة لبحث إنهاء البلاغات الموجهة إلى عدد من القوى المدنية، وتهيئة المناخ أمام حوار سوداني- سوداني.
أهمية الخطوة أنها تفتح بابًا ظلَّ مغلقًا طويلًا، وتزيل إحدى العقبات أمام استعادة المسار السياسي. واللافت أن تصريحات البرهان الأخيرة، التي أكدت أن الحوار لن يشمل قوات الدعم السريع أو المؤتمر الوطني، لا ينبغي النظر إليها باعتبارها إقصاءً سياسيًا بالضرورة. فالمؤتمر الوطني حزب محلول بموجب الوثيقة الدستورية الحاكمة، بينما تظل قوات الدعم السريع، بطبيعتها كقوة شبه عسكرية وما ارتبط بها من انتهاكات، أقرب إلى مسار التفاوض حول وقف الحرب والترتيبات الأمنية ونزع السلاح، لا إلى طاولة الحوار السياسي حول مستقبل السودان.
لكن إذا كان هذا هو الإطار، فلماذا الإصرار على أن يكون الحوار داخل السودان؟ وهل تسمح البلاد، في ظل الانقسام المجتمعي وتعدد القوى المسلحة وانعدام الثقة، بحوار سياسي حر وآمن؟ هنا تبدو القاهرة، التي احتضنت في يوليو 2024 لقاءً للقوى السياسية والمدنية السودانية، خيارًا جديرًا بالنظر، على الأقل في المرحلة الأولى، إلى أن تتوافر داخل السودان البيئة المناسبة لحوار لا تفرض فيه الجغرافيا ولا السلاح شروطهما على المتحاورين.
لقد كتبنا من قبل: "الخماسية على خطى لعمامرة". فالمشكلة لم تعد في كثرة المبادرات، وإنما في قدرتها على إنتاج اختراق سياسي حقيقي.
في تقديري، الفرصة اليوم في أن تتحول هذه الخطوة الصغيرة إلى بداية لمسار أكبر. فالسودان لا يحتاج إلى حوار جديد يضاف إلى أرشيف المبادرات، ولا إلى وسيط جديد يكرر ما قاله السابقون، وإنما يحتاج إلى إرادة سودانية تفتح الطريق أمام السياسة. وربما كان أول الطريق أن نعرف بوضوح: مَنْ يجلس إلى طاولة الحوار، ومَنْ يفاوض على ترتيبات الحرب، وأين يمكن أن يجلس الجميع بأمان. عندها فقط يمكن أن تصبح الانفراجة بداية سلام، لا مجرد استراحة أخرى في حرب طويلة.




التعليقات (0)
جاري التحميل...