طاهر المعتصم

بعد أكثر من ثلاث سنوات من حرب لم تُبقِ ولم تذر، وبعد أن دفعت البلاد ثمنًا باهظًا من أرواح أبنائها ومدنها وقراها ونسيجها الاجتماعي، تبدو اجتماعات القوى المناهضة للحرب، إشارة مختلفة هذه المرة؛ ليست من جبهات القتال، ولا من غرف القيادة العسكرية، وإنما من القوى المدنية التي بدأت تدرك أن إنقاذ السودان يتطلب أولًا إنقاذ صوت العقل من التشتت.

ما جرى في العاصمة الإثيوبية يومي 22 و23 أغسطس؛ يتجاوز مجرد اجتماع تشاوري. فقد جلست إلى الطاولة قوى من اتجاهات سياسية ومدنية مختلفة، بينها قوى إعلان المبادئ، وحزب الأمة، والمؤتمر الشعبي، ومنظمات مجتمع مدني وشبكات نسوية وشبابية وشخصيات عامة، وانتهت إلى وثيقة موقف مشترك تضع وقف الحرب وحماية المدنيين والانتقال المدني الديمقراطي في قلب مشروعها.

هنا تحديدًا يمكن رؤية ضوء صغير في آخر النفق. ليس لأن الحرب اقتربت من نهايتها، ولا لأن طرفيها أبديا استعدادًا كافيًا لوقفها، وإنما لأن المدنيين بدأوا، ولو متأخرين، في الاقتراب من المعادلة التي غابت طويلًا: توحيد الكلمة قبل البحث عن توحيد الموقف السياسي.

المطلوب ليس أن تتطابق الأحزاب والقوى المدنية في كل شيء، ولا أن تتخلى عن برامجها وخلافاتها. المطلوب فقط أن تتفق على ما لا يحتمل التأجيل: وقف الحرب، حماية المدنيين، إيصال المساعدات، الحفاظ على وحدة السودان، وفتح الطريق أمام عملية سياسية مدنية شاملة. وهذا بالضبط ما تطرحه الوثيقة من خلال ثلاثة مسارات متزامنة: إنساني، وأمني لوقف إطلاق النار، وسياسي لمعالجة جذور الأزمة.

لكن الضوء لن يتحول إلى فجر إذا بقيت بعض القوى المناهضة للحرب خارج هذه المساحة. فاللحظة لا تحتمل رفاهية المقاطعة ولا استمرار الحساسيات القديمة. من يختلف فليحضر، ومن يتحفظ فليطرح تحفظاته، ومن يملك تصورًا أفضل فليضعه على الطاولة. أما ترك الساحة فارغة ثم الاعتراض على ما ينتج عنها، فهو ترف لا يملكه السودان الآن.

في السنة الرابعة للحرب، يحتاج السودانيون إلى جبهة مدنية واسعة لا تبحث عن انتصار سياسي، وإنما عن انتصار الوطن على الحرب. وربما تكون اجتماعات القوى المناهضة للحرب "22 و23 أغسطس" قد فتحت الباب؛ ويبقى على المدنيين أن يمنعوا أحدًا من إغلاقه.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...