مساعد النويري
في سجل الأمم رجال يذهبون كما يذهب الغمام ورجال يثبتون كما تثبت الجبال فإذا ذكر التاريخ حضرت أسماؤهم وإذا ذكر الوفاء كانت مواقفهم وإذا ذكرت الوطنية ارتفعت هاماتهم بين الرجال وفي تاريخ السودان رجال لم يكونوا عابرين على صفحات الزمن بل كانوا صناعاً له لم تستهلكهم الأيام ولم تطوهم الأعوام وإنما استقروا في وجدان الوطن كما تستقر النجوم في علياء السماء تهدي السائرين إذا التبست السبل وتؤنس الحائرين إذا تكاثرت الخطوب وتبقى شاهدة على أن القيم العظيمة لا تموت وإن غاب أصحابها.
لم يكن الخلود يوماً بطول العمر وإنما ببقاء الأثر وليس المجد ببريق الأسماء وإنما بعلو المبادئ وثبات المواقف فالرجال الذين يهبون أعمارهم لقضايا شعوبهم لا تغيبهم المقابر ولا تطويهم السنين لأنهم يتركون في ضمير الأمة ما هو أبقى من الحجر وأرسخ من الزمان وتظل سيرتهم نبراساً للأجيال ودليلاً على أن الأوطان لا يبنيها أصحاب المصالح وإنما يشيد أركانها أصحاب المبادئ والمواقف وأن التاريخ لا يحفظ أسماء من عاشوا لأنفسهم وإنما يخلد الذين عاشوا لأوطانهم وأمتهم لانهم لم يجعلوا من الحياة سلماً إلى مجد شخصي ولا من المناصب طريقاً إلى سلطان زائل بل جعلوا منها رسالة يؤدونها وأمانة يحملونها وعهداً يوفون به ما امتدت بهم الحياة فإذا غابوا كانت سيرتهم حاضرة في القلوب وأعمالهم شاهدة على صدقهم وحين يصمت الكلام تبكيهم المواقف قبل أن يبكيهم الناس لأن الفقد الحقيقي ليس فقد الأجساد وإنما فقد القيم التي كانت تمشي على الأرض في هيئة رجال.
ولذلك فإن الحديث عن العظماء ليس استدعاءً لأسماء في سجلات التاريخ بقدر ما هو استحضار لقيم كاملة من الصدق والوفاء والإخلاص والتجرد والإيثار حيث تتحول المواقف إلى شواهد والذكريات إلى دروس والقيم إلى ميراث تتناقله الأجيال جيلاً بعد جيل وما أكثر الذين عاشوا أعماراً مديدة ثم غابوا كأنهم لم يكونوا وما أقل الذين عاشوا للوطن فعاش الوطن بهم وبقيت آثارهم بعد الرحيل شاهدة على أن المجد لا تصنعه ضوضاء الشعارات وإنما يصنعه الصدق والإخلاص .
ومن بين تلك القامات السامقة يبرز الدكتور عمر محمد نور الدائم واحداً من اولئك الرجال الذين جمعوا بين هدوء العالم وحكمة الشيخ ووقار القائد ونبل الإنسان. فلم يكن مجرد سياسي تقلد المناصب ولا أكاديمي اكتفى بقاعات الدرس ولا إداري انشغل بالأرقام والخطط بل كان رجلاً حمل هم السودان في قلبه وسار به في دروب وعرة مؤمناً بأن خدمة الناس رساله وأن بناء الدولة يبدأ ببناء الإنسان وأن القيادة تكليف قبل أن تكون تشريفاً وأن الكلمة إذا لم تسندها المواقف اصبحت صوتاً تحمله الرياح.
ولد الدكتور عمر نور الدائم الفكي إدريس المعروف بين الناس بأبي البتول وأبي التومة في 1934 بقرية مشتاي بالقرب من نعيمة بولاية النيل الأبيض وسط أسرة اشتهرت بالمروءة والسيادة والكرم وتوارثت قيم القيادة جيلاً بعد جيل. فكان ميلاده امتداداً لبيت ارتبط اسمه بتاريخ السودان الاجتماعي والوطني ونشأ في كنف والده الفكي إدريس إلا أن القدر اختار له إن يكون يتيماً بعد وفاة والدته ابنة ناظر الحسانية فتولت خالته التومة هباني تربيته وأحاطته بعطف الأم وحنانها حتى عُرف بين الناس بأبي التومة. كما كان لحبوبته فاطمة بنت عبد المحمود المحسية ولخاله الناظر إدريس هباني أثر بالغ في تكوين شخصيته فاجتمع له شرف النسب وحسن التربية ونبل البيئة فشب قوي العزيمة كريم السجايا واسع الصدر قريباً من الناس منذ نعومة أظفاره. وقد كانت اسرته من البيوت التي ارتبط تاريخها بالدعوة المهدية منذ بواكيرها. فقد هاجر جده الفكي إدريس على رأس مائتين من أفراد أسرته إلى قدير لمبايعة الإمام المهدي وكانت حبوبته آمنة بنت السراج وأخوها من أوائل شهداء الدعوة المهدية في ود شلعي كما استشهد جده الفكي إدريس الملقب بتمساح الجواد وهو يعترض حملة أبي السعود المتجهة إلى الجزيرة أبا ومنها إلى الأبيض. وكانت حبوبته عنز العفو وأختها فاطمة قد هاجرتا مع والدهما تبيرة عقيد خيالة الكواهلة إلى الحبشة للانضمام إلى حملة الزاكي طمل في صفحة ناصعة من صفحات الوفاء لتلك الدعوة.
وهكذا نشأ عمر نور الدائم وهو يرى البطولة ميراثاً والجهاد قيمة والوفاء بالعهد ديناً والقيادة مسؤولية قبل أن تكون مكانة فاجتمع له من جهة الأب والأم إرث من المجد والكرم والعلم والنضال ظل يلازمه في سيرته ومواقفه حتى آخر أيامه.
وفي تلك البيئة السودانية الأصيلة تفتحت عيناه على مجتمع يرى في الكلمة عهداً وفي الوفاء ديناً وفي صلة الرحم واجباً لا يسقط بتقادم الأيام. كانت المجالس مدرسة والأخلاق منهجاً والسيرة الطيبة رأس المال الحقيقي. فنهل من الأرض رسوخها ومن النيل سكينته ومن الريف سماحته ومن الناس صدقهم وبساطتهم فكانت تلك التربية هي الأساس الذي نشاءت عليه شخصيته قبل أن تضيف إليها المدارس والجامعات ما أضافته من علم ومعرفة.
درس عمر نور الدائم القرآن الكريم على يد الشيخ صديق العجب بقرية نعيمة فكان كتاب الله أول ما استقر في وجدانه وأول ما صاغ لسانه وغرس في نفسه قيم الانضباط والاستقامة وحب العلم. ثم تلقى تعليمه الأولي والوسطى في نعيمة قبل أن ينتقل إلى مدرسة حنتوب الثانوية التي كانت يومئذ منارة للعلم ومصنعاً للنخب الوطنية ومقصداً للطامحين إلى خدمة بلادهم. وفي رحابها اتسعت مداركه وتبلورت شخصيته ورسخت ميوله العلمية والفكرية ومن حنتوب إلى جامعة الخرطوم كلية الزراعة وهناك جمعت مقاعد الدراسة بين عمر نور الدائم طالب كلية الزراعة والصادق المهدي طالب كلية العلوم آنذاك لتنشأ بينهما علاقة تجاوزت حدود الزمالة الدراسية وتحولت مع مرور الأيام إلى شراكة فكرية ووطنية وسياسية كان لها أثر بالغ في مسيرة الرجلين السياسية وفي الحياة العامة.
لم يقف طموح عمر عند حدود الدرجة الجامعية بل شد الرحال إلى ألمانيا فالتحق بجامعة قوتنقن حيث نال درجتي الماجستير والدكتوراه في الزراعة الآلية عام 1963 واطلع على أحدث المناهج العلمية والتقنيات الحديثة واكتسب خبرات أكاديمية ومهنية رفيعة. إلا أن انفتاحه على العالم لم يزده إلا تمسكاً بهويته الوطنية والثقافية فقد كان يرى أن العلم لا تكتمل قيمته إذا بعد صاحبه عن جذوره وأن المعرفة الحقة هي التي تعود بالنفع على الناس وتتحول إلى عمل ينهض بالأوطان لا إلى شهادات تزين الجدران.
وعاد إلى السودان مزوداً بالعلم والخبرة ليبدأ حياته العملية مفتشاً زراعياً في مشروع الدالي بولاية سنار فكان قريباً من المزارعين يشاركهم همومهم ويبحث معهم عن حلول لمشكلاتهم ثم انتقل إلى مشروع خشم القربة وأسهم إسهاماً بارز في تأسيس مشروع حلفا الجديدة ووضع اللبنات الأولى لتطويره إدارياً وفنياً حتى ارتبط اسمه بالكفاءة والانضباط والإخلاص في كل موقع تقلده.
لقد كان عمر ينظر إلى الزراعة نظره اكبر من ان تكون نشاط اقتصادي أو مورد للإنتاج فهي في نظره قضية أمن قومي وأساس للاستقرار الاجتماعي وركيزة من ركائز السيادة الوطنية. لذلك انصرف إلى تطوير وسائل الإنتاج وتحسين الإدارة والارتقاء بأحوال المزارعين إيماناً منه بأن نهضة السودان تبدأ من الحقول وأن ازدهار الريف هو الطريق الأقصر إلى ازدهار الوطن بأسره.
ومع اتساع تجربته في ميادين العمل الزراعي أدرك أن التنمية الاقتصادية مهما بلغت من النجاح لا تستطيع أن تحقق غاياتها ما لم تستند إلى إدارة رشيدة ومؤسسات قوية ونظام سياسي يكفل العدل ويحترم إرادة المواطنين. ومن هنا بدأ اهتمامه بالشأن العام يتجاوز حدود العمل التنفيذي حتى آثر أن يترك الوظيفة وهو في أوج عطائه المهني ليتفرغ للعمل الوطني مؤمناً بأن خدمة السودان لا تحدها وظيفة ولا يقيدها منصب وإنما تمليها المسؤولية تجاه الوطن وأهله.
ومن رحم هذه القناعة انتقل الدكتور عمر نور الدائم من ميادين الإدارة الزراعية إلى ميادين العمل الوطني العام إذ أيقن أن الإصلاح الحقيقي لا يكتمل بالجهد الفني وحده وإنما يحتاج كذلك إلى إرادة سياسية رشيدة ومؤسسات دستورية قادرة على حماية التنمية وصون مصالح المواطنين. لذلك اجتهد في حزب الأمة وأسهم منذ وقت مبكر في النشاط الفكري والتنظيمي وبرز بين قياداته بما امتلكه من علم وحسن تقدير ورجاحة عقل وقدرة على الجمع بين الرؤية العملية والالتزام الوطني.
شارك مع الإمام الصادق المهدي في قيادة الجبهة الوطنية المعارضة لنظام الفريق إبراهيم عبود وظل مؤمناً بأن مقاومة الاستبداد لا تكون انتقاماً من الخصوم وإنما دفاعاً عن حق الشعب في الحرية وصوناً لكرامة الوطن وإيماناً بأن التداول السلمي للسلطة هو الضمان الحقيقي لاستقرار الدول ونهضتها. وعندما انتصرت ثورة أكتوبر عام 1964 كان من الوجوه التي أسهمت في إعادة بناء العمل السياسي على أسس ديمقراطية وانتخب في العام نفسه مساعداً لسكرتير حزب الأمة لشؤون الانتخابات والأقاليم فلفت الأنظار بكفاءته التنظيمية ودقته في العمل وقدرته على إدارة الملفات المعقدة بروح هادئة وعقل متزن.
واختير حينها وزيراً للزراعة في حكومة الإمام الصادق المهدي عام 1965 فدخل الوزارة وهو يحمل رصيداً علمياً وخبرة ميدانية قل أن تتوافر فيمن سبقوه إلى هذا المنصب. فلم ينظر إلى الوزارة باعتبارها وجاهة سياسية أو موقعاً للنفوذ بل ميداناً لخدمة السودان وسعى إلى أن يجعل من الزراعة محوراً للتنمية الاقتصادية والاجتماعية انطلاقاً من إيمانه بأن أرض السودان إذا أحسن استثمارها فهي قادرة على إطعام أهلها والإسهام في نهضة محيطها الإقليمي.
فعمل على تشجيع التوسع الزراعي وتحسين الإدارة وربط البحث العلمي باحتياجات المزارعين وإدخال الوسائل الحديثة في الإنتاج وكان يردد أن الثروة الحقيقية لا تستخرج من باطن الأرض وحده وإنما تنبت أيضاً من ظاهرها وأن الأمم التي تهمل زراعتها تفرط في أحد أهم أسباب قوتها واستقلال قرارها.
إلا أن الحياة السياسية في السودان لم تكن مستقرة فقد جاءت مايو عام 1969 لتقلب موازين المشهد الوطني وتطوي صفحة التجربة الديمقراطية. وكان الدكتور عمر نور الدائم في طليعة الرافضين للنظام الجديد فانضم إلى صفوف المعارضة تحت راية الجبهة الوطنية واختار طريقاً محفوفاً بالمشقة والمخاطر لكنه لم يساوم على مبادئه ولم يجعل من السلامة الشخصية سبباً للتراجع عن قناعاته.
وقضى ما يقارب ثماني سنوات خارج السودان متنقلاً بين عدد من الدول منها ليبيا وإثيوبيا و مواصلاً نشاطه السياسي ومتمسكاً بإيمانه بأن الوطن لا يبنى بالقهر وأن الاختلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى عداوة بين أبناء البلد الواحد بل يجب أن يبقى في إطار التنافس المشروع من أجل المصلحة العامة.
وحين جاءت المصالحة الوطنية عاد إلى السودان وهو يحمل أملاً في أن يفتح الحوار صفحة جديدة من التوافق وأن تكون الحكمة بديلاً عن الصدام إلا أن تقلبات السياسة عجلت بانتفاضة أبريل 1985 لتسدل الستار على عهد مايو وتعيد البلاد إلى المسار الديمقراطي من جديد فعاد عمر نور الدائم إلى ميدان العمل النيابي والتنفيذي يحمل الحماسة نفسها والإيمان ذاته بأن الديمقراطية على ما يعتريها من عثرات إلا انها الطريق الأمثل لبناء دولة القانون والمؤسسات.
ومع عودة الحياة الديمقراطية جدد أبناء دائرة أم رمتة ود نمر بولاية النيل الأبيض ثقتهم فيه فانتخبوه نائباً في الجمعية التأسيسية للمرة الثانية بعد أن سبق لهم انتخابه في عام 1965 في تعبير صادق عن المكانة التي احتلها في وجدان ناخبيه فقد عرفوه قريباً من الناس صادق الوعد حاضر الخدمة بعيداً عن المزايدة لا يظهر بينهم في مواسم الانتخابات ثم يغيب بل ظل بينهم في أفراحهم وأتراحهم يشاركهم همومهم ويعمل على معالجة قضاياهم بما استطاع إليه سبيلاً.
وأعيد اختياره وزيراً للزراعة في حكومة الإمام الصادق المهدي فواصل مشروعه الذي آمن به منذ بواكير حياته المهنية وهو أن نهضة السودان تبدأ من الأرض والإنسان معاً. ولم تمضِ فترة طويلة حتى أسندت إليه وزارة المالية وهي من أكثر الوزارات حساسية في ظل أوضاع اقتصادية معقدة وأزمات داخلية وإقليمية متشابكة فتولى مسؤولياته بروح يغلب عليها الانضباط والاعتدال مؤمناً بأن المال العام أمانة وأن حسن الإدارة لا يقل شأناً عن حسن التشريع وأن الاقتصاد لا ينفصل عن الاستقرار السياسي والاجتماعي.
وخلال تلك المرحلة تواصلت صلته بالإمام الصادق المهدي في علاقة قامت على الثقة المتبادلة وتكامل الأدوار ووحدة المقصد فكان من أقرب معاونيه وأكثرهم وفاءً للمؤسسة الحزبية ولمبادئ الديمقراطية والشورى. ولم تكن تلك العلاقة قائمة على اعتبارات شخصية أو مصالح عابرة بل تأسست على رؤية مشتركة لمستقبل السودان وعلى قناعة راسخة بأن بناء الدولة لا يتحقق إلا عبر المؤسسات واحترام الإرادة الشعبية والاحتكام إلى الحوار في معالجة الخلافات الوطنية.
وكان يؤمن بأن الأحزاب الحية لا تقوم على الأشخاص مهما عظمت مكانتهم وإنما تنهض بالمؤسسات وتتجدد بالشورى وتتقوى بإفساح المجال للكفاءات الشابة مع المحافظة على الثوابت التي تجمع أبناء الوطن ولا تفرقهم. ولذلك ظل يدعو إلى ترسيخ الديمقراطية الداخلية وتعميق ثقافة العمل الجماعي وتقديم المصلحة العامة على المصالح الفردية وظل يمارس هذه المبادئ في سلوكه قبل أن يدعو إليها في خطابه.
لم تدم التجربة الديمقراطية طويلاً مع انقلاب الإنقاذ عام 1989 فعادت البلاد إلى حكم استثنائي جديد وكان عمر نور الدائم في مقدمة القيادات التي طالتها الاعتقالات. ولم تزد السجون عزيمته إلا رسوخاً ولم تغير من قناعاته شيئاً فقد ظل يرى أن الحرية حق أصيل للشعوب وأن سيادة القانون واستقلال القضاء والتداول السلمي للسلطة ليست مطالب سياسية فحسب بل هي أسس لا غنى عنها لاستقرار الدول وصيانة كرامة مواطنيها.
وفي منتصف تسعينيات القرن الماضي أذن له بالسفر إلى لندن للعلاج إلا أن تلك الرحلة لم تتحول إلى فترة عزلة أو استراحة بل كانت بداية مرحلة جديدة من مراحل عطائه الوطني. فمن لندن إلى أسمرا والقاهرة ليشارك مع رفاقه في تأسيس التجمع الوطني الديمقراطي والإسهام في تنسيق جهود المعارضة وظل يدعو إلى استعادة الحكم الديمقراطي عبر الوسائل السلمية وإلى تغليب الحوار على المواجهة والوحدة الوطنية على الانقسام حتى عاد إلى الخرطوم بعد سنوات طويلة من العمل السياسي في الخارج مؤمناً بأن اختلاف الرؤى لا ينبغي أن يفسد الانتماء إلى وطن واحد.
وتواصل عطاؤه داخل حزب الأمة فكان الامين العام للحزب بعد أن شغل من قبل عدداً من المواقع التنظيمية وفي جميع تلك المسؤوليات ظل مثالاً للقائد الذي يجمع ولا يفرق ويحتكم إلى الحكمة قبل الانفعال ويقدم مصلحة المؤسسة على مصلحة الأفراد حتى أصبح واحداً من أكثر قيادات الحزب احتراماً ليس بين أنصاره فحسب بل لدى كثير من مخالفيه الذين قدروا فيه نزاهته واعتداله وسمو أخلاقه.
إلا أن المناصب التي تقلدها والمسؤوليات التي اضطلع بها لم تكن هي السمة الأبرز في شخصيته فقد كان حضوره الإنساني أسبق من ألقابه وأبقى من مناصبه فما عرفه الناس وزيراً أو نائباً أو قائداً حزبياً بقدر ما عرفوه رجلاً اتسع قلبه قبل مجلسه وسبق تواضعه مكانته وعلت أخلاقه على كل ما عداها حتى كانت سيرته الشخصية امتداداً طبيعياً للمبادئ التي ظل يدعو إليها في حياته العامة.
واجتمعت فيه خصال قل أن تجتمع في رجل واحد فكان الأكاديمي الذي لم تحجبه المعرفة عن هموم البسطاء والسياسي الذي لم تستلبه أبهة السلطة والقائد الذي بقي قريباً من الناس يستمع إليهم أكثر مما يتحدث إليهم ويبحث عن مواطن الاتفاق قبل أن يلتفت إلى أسباب الخلاف واستمد من بيئته الريفية صفاء النفس ومن المجتمع السوداني سماحة الطبع ومن تربيته الأصيلة معاني المروءة والنجدة والإيثار فجمع بين صلابة الموقف ولين الجانب وبين رجاحة العقل ورقة الشعور وبين هيبة القائد وتواضع الإنسان.
وكان لقب شيخ العرب الذي عرف به امتداداً لإرث أسرته الاجتماعي إلا أن الناس رأوا فيه ما هو أعمق من اللقب فقد كان سيداً بأخلاقه قبل نسبه وكبيراً بتواضعه قبل مكانته ومقدماً لخدمة الناس على كل اعتبار ظل مجلسه مفتوحاً لكل قاصد لا يفرق بين غني وفقير ولا بين قريب وبعيد ولا بين مؤيد ومخالف وكان يرى أن السيادة الحقيقية ليست في علو المنصب وإنما في حسن القيام بحقوق الناس وإكرام الضيف وإغاثة الملهوف وإصلاح ذات البين.
وفي المجال الثقافي كان واسع الاطلاع محباً للتاريخ والفكر والأدب يستلهم من تجارب الأمم ما يعينه على فهم واقعه واستشراف مستقبل بلاده وقد انعكس ذلك في رصانة منطقه وهدوء خطابه واحترامه للرأي المخالف فكان يرى أن الوطن يتسع لجميع أبنائه وأن اختلاف الآراء مصدر ثراء إذا أحسن توجيهه وأن الحوار الصادق يفتح من أبواب الحلول ما تعجز عنه الخصومات الطويلة.
كما أولى الشباب عناية خاصة وعدهم الامتداد الطبيعي لمسيرة البناء الوطني فكان يشجع الكفاءات الواعدة ويفتح أمامها أبواب المشاركة ويؤمن بأن الوفاء للتراث لا يعني الجمود عند الماضي وإنما استلهام أفضل ما فيه لبناء مستقبل أكثر عدلاً وإشراقاً وكان يرى أن الأمم التي تحتكر القيادة لجيل واحد إنما تحرم نفسها من طاقات التجديد وأن الحكمة الحقة هي التي تصل بين خبرة الآباء وطموح الأبناء.
ولذلك لم يكن نجاحه مقصوراً على إدارة الوزارات أو قيادة المؤسسات بل تعدي ذلك إلي بناء الجسور بين المختلفين وتقريب وجهات النظر وإطفاء نيران النزاعات كلما اشتعلت فقد أدرك أن الانتصار الحقيقي لا يكون بإقصاء الخصوم وإنما بصناعة مساحات مشتركة تحفظ كرامة الجميع وتفتح أبواب التعاون من أجل الوطن فظل يقدم الإصلاح على القطيعة والتوافق على المغالبة والحكمة على الانفعال حتى استحق أن يكون واحداً من الرموز الوطنية التي جمعت حولها الاحترام قبل أن تجمع حولها التأييد.
ولم يكن انشغاله بالشأن العام سبباً في أن تنطفئ إنسانيته بل بقي وفياً لطبعه الهادئ وبشاشته المعهودة وعذوبة حديثه وسعة صدره فإذا احتدم الخلاف دعا إلى الحكمة وإذا اشتدت الخصومة بحث عن طريق للمصالحة لإيمانه بأن الأوطان لا تبنى بالقطيعة وإنما بالتسامح ولا تستقر بالإقصاء وإنما بالعدل وأن قوة الحجة أبقى أثراً من حدة الصوت وأن الحوار المسؤول هو السبيل الأمثل لصناعة التوافق الوطني.
وكان شديد الحرص على صلة الأرحام ومواساة أهل المصائب ومشاركة الناس أفراحهم وأتراحهم لا يعتبر ذلك واجباً اجتماعياً فحسب بل يراه جزءاً من رسالته الإنسانية وكان يقول بلسان الحال قبل المقال إن تماسك المجتمعات لا تحفظه القوانين وحدها وإنما تحفظه القلوب التي تعرف معنى الرحمة والأيدي التي تمتد بالعون والنفوس التي تؤثر الوفاق على الخصام.
وكان آخر مشهد من مشاهد حياته ترجمة صادقة لما عاش عليه طوال عمره فلم يخرج طالباً لمنصب ولا ساعياً إلى منفعة وإنما خرج لأداء واجبات اجتماعية كما اعتاد أن يفعل مع الناس في أفراحهم وأتراحهم وفاءً لحقوقهم وصلةً لأرحامهم واستجابةً لنداء المروءة الذي لم يفارقه يوماً وفي طريق عودته شاءت إرادة الله أن يلقى ربه إثر حادث سير أليم على طريق النيل الأبيض بالقرب من منطقة جاري النبي وذلك في غره شهر رمضان المبارك من عام 2004 وكأن القدر أراد أن يجعل خاتمة حياته شاهدة على أن الوفاء عنده لم يكن شعاراً يرفع وإنما خلقاً يمارس ومنهجاً يلازمه حتى آخر خطوة من خطوات العمر.
وجاء نبأ رحيله فخيم الحزن على قلوب كثير من السودانيين ولم يقف الأسى على أسرته أو رفاقه في حزب الأمة بل تجاوزه إلى كل من عرف الرجل أو سمع بسيرته أو لمس أثره في ميادين العمل العام فالرجال الذين يخلصون لأوطانهم لا يتركون فراغاً في المناصب وحدها وإنما يتركون فراغاً في النفوس لأن القيم التي يمثلونها يصعب أن يعوضها الأشخاص مهما تعاقبت الأجيال.
وتدفقت كلمات الرثاء من محبيه ورفاقه ومخالفيه وهي شهادة نادرة لا ينالها إلا من ارتفع فوق ضيق الخصومات وجعل من أخلاقه جسراً يصل بين المختلفين واستعاد الناس صورته الهادئة وابتسامته الوقورة وكلماته الرصينة وحرصه الدائم على جمع الكلمة وإصلاح ذات البين وتقديم مصلحة الوطن على ما سواها فكان حضوره في الذاكرة أقوى من الغياب وأبقى من الزمن.
لقد ترك الدكتور عمر نور الدائم سيرة عطرة لا لأنها سجل حافل بالمناصب ولكن لأنها تقدم نموذجاً لرجل استطاع أن يجمع بين الأصالة والمعاصرة وبين المعرفة الأكاديمية والخبرة العملية وبين الحزم في المبدأ والمرونة في إدارة الواقع فقد آمن بأن الأخلاق أساس الحكم وأن خدمة الناس هي الغاية الأسمى للعمل العام وأن التواضع يزيد صاحبه رفعة وأن الحوار خير من الخصومة وأن الصدق هو رأس المال الذي لا تنقصه الأيام ولا تبدده تقلبات السياسة.
وإذا كانت الأمم تقاس بما تنجبه من الرجال فإن السودان قد أنجب في عمر نور الدائم واحداً من أولئك الذين لم يكتفوا بكتابة أسمائهم في سجلات الدولة بل كتبوها في ضمائر الناس عاش ثابتاً على مبادئه صادقاً في عهده نظيف اليد عفيف اللسان واسع الصدر فكان مثالاً للمسؤول الذي لم تغيره السلطة وللسياسي الذي لم تفسده الخصومة وللعالم الذي لم يحجبه علمه عن الناس.
رحل الجسد ولكن بقيت السيرة وغاب الصوت ولكن بقي الأثر وانقضى العمر ولكن بقي الدرس وتلك هي سنة الله في الرجال العظام يرحلون عن الدنيا وتظل مبادئهم حية في وجدان الأوطان تهدي السائرين كلما التبست الطرق وتذكر الأجيال بأن الأوطان لا يحفظها المال ولا السلطان وإنما يحفظها رجال إذا عاهدوا أوفوا وإذا تحملوا المسؤولية أدوها بأمانة وإذا اختلفوا قدموا مصلحة الوطن على مصلحة أنفسهم.
وهكذا لم يكن الدكتور عمر نور الدائم سادناً للمبادئ لأنه أكثر الناس حديثاً عنها وإنما لأنه كان أكثرهم التزاماً بها عاش لها ودافع عنها ودفع ثمنها صبراً واعتقالاً ومنفى حتى اصبحت سيرته دليلاً على أن المبادئ لا يحرسها الكلام وإنما يحرسها الرجال وإذا كان لكل عصر رجاله الذين يتركون بصماتهم في تاريخ الأمم فإن عمر نور الدائم سيظل واحداً من أولئك الذين كتبوا أسماءهم في سجل السودان بحروف من وفاء ونزاهة وإخلاص وستبقى ذكراه منارة تهدي الأجيال إلى أن عظمة الإنسان لا تقاس بما ملك وإنما بما قدم ولا بما قال وإنما بما عاش عليه من قيم وبما تركه من أثر حسن في وطنه وأمته.
سلام على عمر يوم ولد فكان بشارة خير لأهله ووطنه وسلام عليه يوم عاش فملأ عمره صدقاً وأمانة ووفاء وسلام عليه يوم مات وقد خلف بين الناس ذكراً طيباً وأثراً لا تمحوه السنين وسلام عليه يوم يبعث حياً في زمرة الصادقين والأبرار.
واجزه عن السودان وأهله خير ما جزيت عبداً أخلص لوطنه وأحسن إلى خلقك ورفع راية الحق ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.
اللهم إن كانت المواقف شاهدة له فاجعلها في ميزان حسناته وإن كانت القلوب قد أحبته فأكرمه بمحبتك ورضوانك وإن كانت الألسن قد أثنت عليه فاجعل ثناء أهل الأرض موصولاً برضا أهل السماء واجمعه مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين .
رحم الله الدكتور عمر نور الدائم رحمة واسعة وجعل سيرته نوراً للأحياء ودعاءً لا ينقطع وذكراً حسناً يبقى ما بقي الوفاء وما بقي في السودان رجال يوقنون أن الأوطان تبنى بالأخلاق والمعاني قبل المباتي وبالإخلاص قبل الشعارات.




التعليقات (0)
جاري التحميل...