عامر علي الحاج
في المقالين السابقين ناقشنا، من زاويتين مختلفتين، حدود المقاربتين اللتين تهيمنان على النقاش السوداني. الأولى تختزل الأزمة في وجود قوات الدعم السريع باعتبارها مشكلة عسكرية يمكن حلُّها بالدمج والتسريح، متجاهلة التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي طرأت عليها خلال الحرب. والثانية تفترض أن القوات المسلحة قادرة على فرض تسوية تقوم على الاستسلام الكامل للدعم السريع، بالرغم من غياب الشروط السياسية والمؤسسية التي تجعل مثل هذا السيناريو قابلًا للتنفيذ. وإذا كان كلا التصورين يصطدم بواقع الحرب، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: ما البديل؟
بعد أكثر من ثلاث سنوات من القتال، لم تعد الأزمة السودانية تقبل الحلول التي تقوم على انتصار أحد الأطراف وهزيمة الآخر. فكلما طال أمد الحرب، ازدادت موازين القوة تعقيدًا، وتشابكت المصالح العسكرية مع المصالح الاقتصادية والاجتماعية، حتى أصبح من الصعب تصور نهاية للصراع وفق الشروط التي يطرحها أيٌّ من طرفيه.
تكمن المشكلة في أن الطرفين ينطلقان من افتراض لم يعد قائمًا. فالجيش يتحدث كما لو أن الدولة ما زالت تمتلك مؤسسات قادرة على تنفيذ برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج، بينما تفترض هذه البرامج أصلًا وجود سلطة معترف بها من الجميع، وأجهزة أمنية وقضائية قادرة على فرض قراراتها على مختلف الفاعلين. وفي المقابل، يتعامل الدعم السريع مع سيطرته العسكرية بوصفها مدخلًا لاكتساب الشرعية السياسية، بينما أثبتت التجربة أن السيطرة على الأرض لا تكفي لبناء دولة، ولا تمنح صاحبها قبولًا وطنيًا دائمًا.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي مختلفًا تمامًا. فالقضية لم تعد: كيف ينتصر الجيش؟ أو كيف يحتفظ الدعم السريع بمكاسبه؟ وإنما: كيف يمكن وقف الحرب في ظل عجز الجميع عن فرض شروطهم؟
الخطأ الذي وقعت فيه معظم المبادرات السابقة أنها تعاملت مع السلام باعتباره نتيجة لاتفاق سياسي، بينما التجربة السودانية تقول إن الاتفاقات وحدها لا تصنع السلام. فقد كتب السودانيون دساتير عديدة، ووقعوا اتفاقيات سياسية مختلفة، لكن معظمها انهار عندما تغير ميزان القوة. لم تكن المشكلة في النصوص، بل في غياب منظومة مؤسسية تجعل احترام الاتفاق أقل كلفة من الانقلاب عليه.
ولهذا فإن السلام الحقيقي لا يبدأ بوثيقة جديدة، وإنما بإعادة تشكيل الحوافز التي تحكم سلوك الأطراف. فلا الجيش سيقبل بالتنازل عن بعض امتيازاته إذا شعر بأن ذلك يهدد وجوده، ولا الدعم السريع سيتخلى عن قوته إذا لم يرَ بديلًا يوفر له ولحاضنته قدرًا من الأمن والمشاركة، ولا تستطيع القوى المدنية فرض أي اتفاق إذا بقيت أدوات القوة خارج إطار الدولة.
ومن هنا، فإن المطلوب ليس استسلام طرف لطرف، وإنما بناء ترتيبات انتقالية تجعل استمرار الحرب أكثر كلفة من إنهائها، وتقلل تدريجيًا من قيمة السلاح في المعادلة السياسية، وتزيد في المقابل من قيمة المؤسسات المدنية والقانونية والاقتصادية.
لكن هذه الترتيبات يجب أن تنطلق من الاعتراف بحقيقة كثيرًا ما جرى تجاهلها، وهي أن الإصلاح الأمني والعسكري نفسه لا يمكن أن يتم بقرار سياسي مجرد، كما لا يمكن أن يكون شرطًا مسبقًا لكل عملية سياسية. فهو يحتاج إلى دولة قادرة على تنفيذه، بينما الدولة نفسها لن تستعيد قدرتها في ظل استمرار الحرب. لذلك فإن العلاقة بين السلام والإصلاح الأمني ليست علاقة ترتيب زمني بسيط، وإنما علاقة بناء متدرج؛ يتقدم فيها وقف القتال، واستعادة وظائف الدولة الأساسية، والإصلاح المؤسسي، جنبًا إلى جنب، لا على نحو متعاقب.
ولعل هذا ما يفسر إخفاق معظم الاتفاقيات السابقة. فقد انشغلت بتوزيع السلطة أكثر من انشغالها ببناء المؤسسات التي تحمي ذلك التوزيع، وتعاملت مع النصوص باعتبارها ضمانة كافية، بينما أثبت الواقع أن النصوص لا تصمد إذا بقيت موازين القوة خارج إطار الدولة.
كما أن المطلوب ليس احتكار مؤسسة بعينها للسلاح، وإنما احتكار الدولة الشرعية لاستخدام القوة، على أن تخضع جميع المؤسسات المسلحة، بما فيها القوات المسلحة نفسها، للدستور والقانون والرقابة المدنية. فالأزمة السودانية لم تبدأ مع الدعم السريع، ولن تنتهي بمجرد اختفائه. وإنما هي نتاج نموذج طويل من إدارة السلطة سمح، عبر عقود، بإنشاء مراكز متعددة للقوة المسلحة كلما اقتضت الضرورات السياسية ذلك.
لذلك فإن إزالة أحد مظاهر الأزمة مع الإبقاء على الأسباب التي أنتجتها لن تؤدي إلا إلى إعادة إنتاجها بأسماء جديدة. فإذا لم تتغير منظومة الحوكمة الأمنية، وآليات توزيع السلطة والثروة، وطبيعة العلاقة بين المؤسسة العسكرية والدولة، فإن أي تشكيل مسلح يُحلُ اليوم قد يعود غدًا في صورة مختلفة.
وربما تكون الحقيقة الأصعب التي ينبغي الاعتراف بها هي أن السودان لم يعد يحتاج إلى تسوية بين الجيش والدعم السريع بقدر ما يحتاج إلى تسوية بين الدولة والحرب نفسها. فالحرب لم تعد مجرد مواجهة عسكرية، بل أصبحت اقتصادًا قائمًا بذاته، وشبكات مصالح، ومصدرًا للنفوذ والسلطة. ولهذا فإن إنهاءها يتطلب تغيير البيئة التي تجعل استمرارها أكثر ربحًا من السلام.
هذا الطريق لا يمنح أحدًا نصرًا كاملًا، ولا يحقق لأي طرف جميع مطالبه، لكنه قد يكون الطريق الوحيد الذي يمنح السودان فرصة حقيقية للخروج من الحلقة التي ظل يدور فيها منذ الاستقلال؛ حيث تُكتب الاتفاقات، ثم تُنقض بالقوة، فتبدأ دورة جديدة من الحرب، يعقبها اتفاق جديد، ثم حرب جديدة.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يشغل السودانيين اليوم لم يعد: من يحكم السودان بعد الحرب؟ وإنما: كيف نبني دولة يصبح فيها احترام الاتفاق أكثر جدوًى من حمل السلاح؟ فعندما تصبح مصلحة جميع الأطراف في حماية الدولة أكبر من مصلحتها في امتلاك القوة خارجها، يكون السودان قد بدأ، للمرة الأولى، السير في طريق السلام الحقيقي.




التعليقات (0)
جاري التحميل...