
الصحفي زهير عثمان : خلف وراءه إرثاً لا يغيب، ورحلة طويلة من العلم والعطاء الدؤوب في خدمة المعرفة والإنسان
رباح الصادق: فما كان يحضر إلى السودان إلا واحتفى به الإمام ونظّم له اللقاءات وأخذ برأيه ومشورته
البروفيسور عز الدين مؤصل فكر "الإحياء" في كيان الأنصار
تسعون عامًا من الكدح والترحال المعرفي؛ انطلقت شرارتها الأولى من جزيرة "توتي"
مقدمة:
ثمة رجالٌ لا يمرّون عبر التاريخ عابرين، بل يعبر التاريخُ من خلالهم ليُعاد صياغته وترتيب فصوله؛ ومن أولئك الكبار الذين أسرجوا خيل العطاء ولم يترجلوا إلا بنفاد العمر، يبرز اسم البروفيسور عز الدين عمر أحمد موسى. هو مؤرخ جمَعَ الحوادث ورتّب الأزمان، وأصبح مدرسة منهجية قوامها التدقيق، ومؤسسة إنسانية عابرة للأقطار، وركنًا فكريًا مكينًا في مسيرة التجديد و"الإحياء" داخل كيان الأنصار وحزب الأمة القومي.
تسعون عامًا من الكدح والترحال المعرفي؛ انطلقت شرارتها الأولى من جزيرة "توتي" الصامدة في قِبلة المقرن، ليمتد وهجها المعرفي أستاذًا في جامعات بيروت، ونيجيريا، والجزائر، والمملكة العربية السعودية، ومحاضرًا يشار إليه بالبنان في دواوين الفكر العربي والإسلامي. لم يكتب البروفيسور عز الدين التاريخ من مقاعد المتفرجين؛ ولكنه عاشه بوعي العالم وقلق السياسي الملتزم بقضايا أمته، متسلحًا بتواضعٍ جمّ هو شيمة الراسخين في العلم، ووفاءٍ اجتماعي جعل منه ملاذًا وبصمة نافعة أينما حلَّ ونزل.
الميلاد والنشأة:
ولد البروفيسور عز الدين في جزيرة توتي في قلب الخرطوم عام 1355هـ/ 1936م. وتوتي معقل العلم، والقرآن، والجسارة، والترابط الاجتماعي؛ مما طبع شخصيته بصفات التواضع الجم، والوفاء الشديد للجذور، والهمة العالية.
التعليم:
تلقى تعليمه الأولي والمتوسط والثانوي في مدارس السودان، متميزًا بالنبوغ الباكر والشغف بالكتب والمخطوطات ومجالس العلم.
ابتُعث الراحل إلى الجامعة الأمريكية في بيروت، التي كانت تموج حينها بالتيارات الفكرية والأدبية، وهناك صقل موهبته الفذة.
حصل على دبلوم التربية، ثم درجتي الماجستير والدكتوراة في التاريخ الإسلامي.
تجذّرت صلاته بقمم الفكر والتحقيق في بيروت، وتأثر بهم وأثر فيهم، ومن أبرزهم: إحسان عباس (الذي ترك عميق الأثر في مسيرته المنهجية)، وناصر الدين الأسد، ومصطفى زيادة، وقسطنطين زريق (زريق بنيه)، وأمين فارس، ونقولا زيادة، ومحمود الغول، وكمال صليبي، ومحمد يوسف نجم، وأنيس فريحة.
امتدت صلاته في تلك الفترة المبكرة لتشمل علامة الجزيرة العربية الشيخ حمد الجاسر، والمؤرخ الكبير خير الدين الزِّرِكْلي، والمفكر محمد المبارك.
العطاء الأكاديمي والتدريس:
تنقل البروفيسور عز الدين معلمًا وأستاذًا وباحثًا في كبريات الجامعات، باسطًا علمه للآلاف:
السودان: بدأ مسيرته مدرِّسًا في التعليم المتوسط والثانوي، رادًا الدينَ لأرضه الأولى.
نيجيريا (1973- 1983م): التحق بجامعة "أحمدو بيلو" في مدينة زاريا، وتدرج حتى نال مرتبة الأستاذية (بروفسور) في التاريخ الإسلامي والإفريقي، وأسهم في صياغة مناهج التاريخ هناك.
المملكة العربية السعودية (1984- 2009م): استقر في قسم التاريخ بجامعة الملك سعود بالرياض لربع قرن من الزمان. أشرف على مئات رسائل الماجستير والدكتوراة، وتخرج على يديه قادة فكر وأكاديميون، وعدد من الأمراء السعوديين الذين يكنون له أدق التقدير والاحترام.
جامعة الأمير نايف العربية للعلوم الأمنية: ختم مسيرته الأكاديمية المؤسسية بتقلده منصب عميد كلية الدراسات الاستراتيجية، واضعًا عمق التاريخ في خدمة استشراف المستقبل الأمني والسياسي العربي.
الإنتاج العلمي:
كان الراحل مدرسة متميزة في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي، مخرسًا الرؤى التقليدية التي تحصر التاريخ في صراع الحكام. من أبرز أعماله:
المؤلفات والبحوث:
"النشاط الاقتصادي في المغرب الإسلامي في القرن السادس الهجري": وهو كتابه العمدة والمنهجي الذي نال به جائزة الملك فيصل العالمية في الدراسات الإسلامية عام (1423هـ/ 2003م) بالاشتراك مع إبراهيم حركات، ويُعد مرجعًا استراتيجيًا لا غنى عنه.
"الموحدون في الغرب الإسلامي تنظيماتهم ونظمهم" (1991م): دراسة عميقة لنظم الحكم والإدارة.
"ابن سعد وطبقاته" (1987): وقفة نقدية مع أحد أهم مصادر التراجم الإسلامية.
"دراسات إسلامية عن غرب إفريقيا" (1999): ربط فيه بين العروبة والإسلام والعمق الإفريقي.
"فهارس وفيات الأعيان لابن خلكان" (1972): بالاشتراك مع وداد القاضي.
"الخطاب الثقافي العربي بين الماضي والمستقبل" (2001).
"وقفات منهجية مع المفاهيم والمنظور والأساليب" (2003).
التحقيقات الرصينة:
تحقيق كتاب (دُرَر السِّمْط في خبر السِّبْط) لابن الأبَّار القُضاعي (1987).
تحقيق كتاب (تاريخ إفريقيا والمغرب) للرقيق القَيْرواني، بالاشتراك مع عبد الله العلي الزيدان (1990).
تحقيق كتاب (نيل الابتهاج بتطريز الديباج) لأحمد بابا التنبكتي، في 3 أجزاء (2001-2002).
مكانته في كيان الأنصار وحزب الأمة القومي:
امتاز البروفيسور عز الدين عمر موسى بالتزامه الفكري والدعوي الصارم بـ "حزب الأمة القومي" وكيان الأنصار، ولم يكن مجرد منتمٍ عادي، بل كان عقل الكيان المفكر ومؤصله المنهجي، فقد عمل مساعد الإمام الصادق المهدي لشؤون الفكر والمنظمات، وظل قريبًا من مركز صناعة الوعي، مدافعًا عن أطروحات الكيان بقوة الحجة والمنطق الأكاديمي.
وظل رائد التجديد في مسيرته، ومن علماء مجموعة تعليم وتزكية داخل الكيان، مركزًا بمداخلاته العميقة على أن المهدية في جوهرها هي حركة إحياء للدين وتجديد لشبابه، لا حركة جمود وتبرك.
الدبلوماسية الفكرية والسياسية:
وظف شبكة علاقاته الواسعة والمهيبة مع قادة وصناع القرار والمفكرين في المملكة العربية السعودية والمغرب، مما عكس مكانته السامية كجسر تواصل بين الكيان والمحيط الإقليمي.
العمل العام والمواقف التاريخية:
في تسعينيات القرن الماضي، وعقب اجتياح العراق للكويت، ساءت أوضاع الجالية السودانية في الخليج بسبب الموقف السياسي لـ"حكومة الإنقاذ". هنا تجلت حكمة البروفيسور عز الدين؛ إذ قاد تحركًا كبيرًا رفقة عدد من المفكرين والقادة السياسيين السودانيين، وأكدوا لقيادة المملكة العربية السعودية أن موقف الشعب السوداني الغالب يرفض العدوان على الكويت، مما أثمر عن استثناء السودانيين من الإبعاد، وتسهيل تجديد إقاماتهم، وإعانة المحتاجين منهم.
كان عضوًا فاعلًا في:
المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألسكو) لدراسة أوضاع الدراسات العربية في غرب إفريقيا.
ومؤسسة آل البيت للفكر الإسلامي، ومنتدى الفكر العربي في الأردن.
رابطة الأدب الإسلامي العالمية.
ولجنة التحكيم بجائزة الملك فيصل العالمية لعدة دورات.
شارك لسنوات طويلة محاضرًا في الدروس الحسنية بالمملكة المغربية بحضور الملك، وفي إثنينية الشيخ عبد المقصود خوجة بجدة، وإثنينية الشيخ حمد الجاسر، مستقطبًا الأنظار ببيانه العذب وعلمه الغزير.
مركز العز بن عبد السلام:
أبى البروفيسور أن يحتكر علمه أو يكتفي بالجامعات؛ فأسس في السودان "مركز العز بن عبد السلام الثقافي"، وأداره بهمة عالية، واضعًا فيه أمات المراجع للباحثين، ومنظمًا منتديات أسبوعية وجوائز علمية تحتفي بالعلماء السودانيين وتقدمهم للعالم. وفي هذا المركز، جرى تكريمه في حياته في نوفمبر 2025م تحت عنوان: "عز الدين عمر.. جهاده واجتهاده".
الأوسمة والتكريم:
وسام السودان الذهبي للعلوم والآداب (أرفع وسام علمي في الدولة).
جائزة الملك فيصل العالمية في الدراسات الإسلامية (1423هـ/ 2003م).
تكريم منتدى الإثنينية بجدة، والعديد من المؤسسات الأكاديمية العربية والإفريقية.
مخلفاً وراءه إرثاً لا يغيب، ورحلة طويلة من العلم والعطاء الدؤوب في خدمة المعرفة والإنسان
تلقيت نبأ رحيله بحزن عميق، ليس لأن السودان فقد مؤرخاً كبيراً فحسب، بل لأننا فقدنا إنساناً نبيلاً، وصاحب روح كريمة، وعقلاً متقداً ظل حتى سنواته الأخيرة مشغولاً بقضايا الفكر والثقافة والتاريخ ومستقبل السودان
لقد كان واحداً من أبناء السودان الذين حملوا اسم بلادهم إلى فضاءات العلم والمعرفة، فاحترمه طلابه وزملاؤه داخل السودان وخارجه، وأصبح اسمه مرتبطاً بالدراسات التاريخية الإسلامية والأفريقية الرصينة.
علاقة مُميزة مع الإمام
تحدثت رباح الصادق عن الراحل البروفيسور عز الدين عمر موسى قائلة: "دهمنا خبر رحيل القامة العلمية والأنصارية البروفيسور عز الدين عمر موسى، أحد أحباب الإمام الحقاني عليه الرضوان المقربين. فما كان يحضر إلى السودان، خلال الفترة التي كان مقيماً فيها بالمملكة، إلا واحتفى به الإمام ونظّم له اللقاءات وأخذ برأيه ومشورته، تقديراً لعلمه وعمله في خدمة الدعوة الإسلامية ورفع راية كيان الأنصار."
و أضافت "أما أنصارياً، فقد سبق أن تحدثنا عن علاقته المميزة بالإمام، وقد تقلّد منصب مساعد الإمام لشؤون الفكر والمنظمات، ووظّف علاقاته الممتدة بالمملكة في خدمة الكيان وأهدافه. وظل حتى آخر رمق مشاركاً في منتديات الأنصار الفكرية، وله فيها آراء وتأملات ونظرات ثاقبة".
وقد نشأ بيننا في الآونة الأخيرة تقارب في التعاطي الفكري مع مفهومي التجديد والإحياء عند الإمام الصادق المهدي، وكنا قد تفاهمنا حول تنظيم عدد من الندوات بصورة مشتركة، خاصة حول الفصل الرابع من كتابه (وقفات تاريخية سودانية) المتعلق بالجذور التاريخية للأزمة السودانية. وحبذا لو قامت منصة (تعليم وتزكية) الأنصارية أو مركز العز بن عبد السلام بتنظيم هذه الندوات، لتكون امتداداً لعمله وعلماً يُنتفع به.
إنه فقد عظيم للكيان والبلاد وللعلم، ولا نقول إلا ما يرضي الله."

كان يزن الكلمات بميزان العلم
يقول عنه الصحفي والروائي زهير عثمان حمد: "كان أستاذي وصديقي البروفيسور عز الدين عمر موسى، من المؤرخين الذين نظروا إلى التاريخ بوصفه حياة كاملة لا مجرد تواريخ وأسماء"،
وأضاف "خلف وراءه إرثاً لا يغيب، ورحلة طويلة من العلم والعطاء الدؤوب في خدمة المعرفة والإنسان، تلقيت نبأ رحيله بحزن عميق، ليس لأن السودان فقد مؤرخاً كبيراً فحسب، بل لأننا فقدنا إنساناً نبيلاً، وصاحب روح كريمة، وعقلاً متقداً ظل حتى سنواته الأخيرة مشغولاً بقضايا الفكر والثقافة والتاريخ ومستقبل السودان".
ويتابع زهير :"لم يكن مشغولاً بالملوك والحروب وحدها، بل بالناس العاديين أيضاً؛ كيف عاشوا؟ وكيف بنوا مجتمعاتهم؟ وكيف تحركت مواردهم واقتصاداتهم؟ ولذلك جاءت كتاباته مختلفة، تجمع بين الدقة الأكاديمية واتساع الأفق الإنساني.. لم يكن مؤرخاً يكتفي بسرد الحوادث أو تحنيط الماضي، بل كان يؤمن بأن التاريخ وسيلة لفهم الحاضر واستشراف المستقبل".
و أعتبر زهير أن البروفيسر عز الدين كان يزن الكلمات بميزان العلم، مبتعداً عن التعصب والانفعال، وهو ما تجلى في مؤلفاته الرصينة، وعلى رأسها كتابه الشهير النشاط الاقتصادي في المغرب الإسلامي في القرن السادس الهجري، الذي نال عنه جائزة الملك فيصل العالمية.
و أشار إلى أن أعماله تميزت بالمراجعة النقدية للمفاهيم والمنظورات التاريخية، والسعي الدائم إلى توسيع آفاق البحث العلمي، وربط العالم العربي والإسلامي بامتداداته الأفريقية، بعيداً عن النظرات الضيقة والحدود المصطنعة ولهذا بقيت مؤلفاته مراجع مهمة للباحثين والمهتمين بالتاريخ الإسلامي والأفريقي.
الوفاة والرحيل المُر:
في مساء السبت الخامس من محرم 1448هـ، الموافق 20 يونيو 2026م، أسلم البروفيسور عز الدين عمر موسى روحه لبارئها في ولاية أنديانا بالولايات المتحدة الأمريكية، طاويًا تسعين عامًا من الكدح والبحث والعطاء المتميز. رحل وترك خلفه أمة من التلاميذ، ومكتبة من المصنفات، وتاريخًا مجيدًا من المواقف الإنسانية والوطنية.
رحل بعد مسيرة صاغ خلالها ملحمة علمية وفكرية وسياسية قل نظيرها. فقد كان صانعًا لمنهج علمي رصين، وجسرًا ثقافيًا ربط بين مشرق العالم الإسلامي ومغربه وعمقه الإفريقي، وركنًا مكينًا من أركان الفكر والوعي في كيان الأنصار وحزب الأمة القومي.



التعليقات (0)
جاري التحميل...