طاهر المعتصم

لا أعلم كيف تتعامل قيادة الجيش السوداني مع الهتاف المتكرر الذي يقابلها به أنصارها: "جيش واحد... شعب واحد". أخشى ما أخشاه أن تكون الإجابة بالفعل لا بالقول، وأن نكتشف بعد سنوات أن الذين يهتفون اليوم للجيش هم أنفسهم مَنْ سيهتفون غدًا ضد المليشيات التي جرى إنشاؤها باسمه.

المفارقة أن هذا البلد دفع ثمنًا باهظًا بسبب تعدد مراكز القوى المسلحة، ومع ذلك ما زلنا، بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، نستيقظ على إعلان تشكيل قوة جديدة داعمة للجيش. تتكاثر المسميات والتشكيلات، بينما تتراجع فكرة المؤسسة العسكرية الموحدة إلى الخلف، وكأن الحرب لم تعلمنا شيئًا.

كان السودانيون يهتفون في ديسمبر "الجنجويد ينحل" و"ما في مليشيا بتحكم دولة". لم تكن تلك الهتافات مجرد شعارات ثورية، بل كانت تعبيرًا عن مطلب جوهري: أن تحتكر الدولة السلاح، وأن يكون الجيش مؤسسة قومية لا مظلة لتشكيلات عسكرية متعددة الولاءات والمصالح.

لكن ما الذي تغير؟

الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا، ظلت لسنوات تقدم عدم اكتمال الترتيبات الأمنية ذريعة لاستمرار وجودها المسلح. وكان السؤال دائمًا: متى تنتهي مرحلة الانتقال من الحركات إلى جيش الدولة؟ اليوم يبدو السؤال أكثر إلحاحًا، لأن المشهد لم يعد يقتصر على حركات جوبا، بل تمدد إلى تشكيلات جديدة خارج الاتفاق، بعضها خرج من رحم قوات الدعم السريع نفسها، وبعضها تشكل في سياق الحرب، وبعضها يبحث عن موطئ قدم في المعادلة السياسية المقبلة.

آخر هذه التشكيلات "درع الغرب" بقيادة النور قبة، المنشق عن الدعم السريع، ليقاتل القوة التي خرج من رحمها، في مشهد يعيد إلى الأذهان تجربة أبو عاقلة كيكل في الجزيرة.

وهنا تحديدًا ينبغي أن تتوقف قيادة الجيش وتسأل نفسها: هل نحن أمام جيش واحد فعلًا، أم أمام شبكة من القوى المسلحة تعمل تحت مظلة الجيش؟

بوضوح إن القوة التي تُنشأ اليوم لحماية الدولة قد تصبح غدًا عبئًا عليها، ثم تتحول بعد ذلك إلى طرف يفاوضها على السلطة.

لقد رأينا كيف جرى تربية الدعم السريع وتسمينه ومنحه وضعًا قانونيًا وسياسيًا خاصًا، ثم انقلب السلاح على الدولة والمجتمع، ودفع ملايين السودانيين الثمن.

فهل نريد إعادة التجربة نفسها بأسماء جديدة؟

الجيش الذي يريد أن يكون جيش السودان لا يحتاج إلى مليشيات أكثر، وإنما يحتاج إلى أن يضم كل من يريد القتال تحت رايته إلى مؤسسة واحدة، بعقيدة واحدة، وقانون واحد، وقيادة واحدة. أما صناعة قوى مسلحة خارج المؤسسة ثم انتظار أن تنصهر فيها يومًا ما، فهي ليست إصلاحًا عسكريًا، بل تأجيلًا لأزمة جديدة.

المشكلة أن الحرب قد تمنح المليشيا شرعية مؤقتة، لكنها لا تمنحها بالضرورة شرعية الدولة.

فالسؤال الذي يجب أن تجيب عنه قيادة الجيش الآن ليس: كم قوة تقاتل معنا؟

السؤال الحقيقي هو: كم قوة سنحتاج إلى حلها بعد أن تنتهي الحرب؟

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...