
إلغاء رخصة "العسجد" بعد انتقادات أثارت تساؤلات حول أمن البيانات وسيادة منظومة المدفوعات والحوكمة في القطاع المصرفي
لم يكن التراجع مجرد قرار إداري، بل جاء عقب موجة من الانتقادات داخل الأوساط المصرفية والاقتصادية
أثارت خطوة بنك السودان المركزي موجة واسعة من التساؤلات داخل القطاع المصرفي
تركزت الاعتراضات على أكثر من محور، كان أبرزها حداثة الشركة مقارنة بمؤسسات تمتلك خبرة تراكمية
صوت الأمة- ناهد محمد
بعد أيام من الجدل الواسع الذي أثاره قرار بنك السودان المركزي منح شركة العسجد للحلول الذكية والرقمية أول رخصة لتشغيل محول للمعاملات المالية ومنصة للمدفوعات الرقمية، تراجع البنك عن قراره وألغى الترخيص، في خطوة أعادت فتح النقاش حول مستقبل البنية التحتية للمدفوعات الإلكترونية في السودان، وحدود مشاركة القطاع الخاص في إدارة أحد أكثر القطاعات حساسية في النظام المالي.
بنك السودان يلغي ترخيص "العسجد" للدفع الإلكتروني
إلحاقًا بالبيان التوضيحي الصادر عن بنك السودان المركزي بشأن تنظيم أنظمة الدفع الإلكترونية، وبناءً على توصية لجنة فنية وقانونية مختصة، قرر البنك إلغاء التصديق الممنوح لشركة العسجد للحلول الرقمية والذكية المحدودة للعمل في مجال خدمات نظم الدفع الإلكتروني، وذلك عقب مراجعة شاملة لأوضاع الشركة وفق المعايير الفنية والمالية والرقابية المنظمة لهذا القطاع.
وأكد البنك، كما جاء في بيانه السابق، أن منح الترخيص لأية جهة لا يترتب عليه حقٌّ تلقائيٌّ في تقديم الخدمات، إذ تخضع جميع عمليات الربط والتشغيل لموافقة كتابية مسبقة من البنك المركزي، وللرقابة والإشراف المستمر طوال فترة سريان الترخيص.
وأوضح أن التصديق الممنوح يعدُّ إذنًا مشروطًا بالتزام الجهة المرخص لها بالمعايير الفنية والرقابية المعلنة، والتي تخضع للمراجعة الدورية، بما يضمن سلامة واستقرار منظومة المدفوعات الإلكترونية في البلاد.
وطمأن البنك المتعاملين إلى اتخاذ الإجراءات الكفيلة بحماية حقوقهم، على أن يتم الإعلان عن أي ترتيبات أو خطوات ذات صلة عبر قنواته الرسمية في حينه.
وأشار إلى أن اللجنة المختصة تواصل أعمالها في دراسة الطلبات والعروض المقدمة من المؤسسات الراغبة في تقديم خدمات نظم الدفع الإلكتروني، مجددًا ترحيبه بمشاركة القطاع الخاص وفق الضوابط والمعايير المعتمدة دون استثناء أو تمييز.
مخاوف أمنية وتنظيمية تدفع لمراجعة منح تراخيص الدفع الإلكتروني
لم يكن التراجع مجرد قرار إداري، بل جاء عقب موجة من الانتقادات داخل الأوساط المصرفية والاقتصادية، ركزت على طبيعة الشركة المرخص لها، وحداثة تجربتها، ومستوى الجاهزية الفنية والمؤسسية، فضلًا عن المخاوف المرتبطة بأمن البيانات المصرفية، وآليات الرقابة، والسيادة على منظومة المدفوعات الوطنية.
وفي أعقاب ذلك، وجهت محافظ بنك السودان المركزي، آمنة ميرغني، بتشكيل لجنة طارئة تضم الإدارة القانونية بالبنك، وشركة الخدمات المصرفية الإلكترونية (EBS)، والجهات المختصة، لمراجعة الطلبات والعروض المستقبلية المقدمة من الشركات الراغبة في العمل بمجال نظم الدفع الإلكتروني، والتأكد من استيفائها الاشتراطات القانونية والفنية قبل منح أي تراخيص جديدة.
وأكد البنك المركزي -في بيان رسمي- أنه يرحب بمشاركة القطاع الخاص في تطوير البنية الرقمية للقطاع المصرفي، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن هذه المشاركة ستظل محكومة باللوائح التنفيذية والمعايير القانونية والفنية التي يضعها البنك، بما يضمن سلامة واستقرار منظومة المدفوعات الوطنية.
أول رخصة... وأول اختبار
وكان بنك السودان المركزي قد منح شركة العسجد للحلول الذكية والرقمية، أول رخصة لتشغيل محول للمعاملات المالية ومنصة للمدفوعات الرقمية، في خطوة اعتبرت تحولًا في سياسة إدارة البنية التحتية للمدفوعات الإلكترونية، التي ظلت لسنوات طويلة تعتمد بصورة رئيسة على شركة الخدمات المصرفية الإلكترونية (EBS)، الذراع التقنية للبنك المركزي.
وجاء الإعلان عن المشروع خلال فعالية رسمية بمدينة بورتسودان، بحضور ممثلين عن مجلس السيادة وبنك السودان المركزي واتحاد المصارف السوداني ومديري عدد من البنوك، حيث قدمت الشركة منصتها الجديدة باعتبارها بنية تقنية تستهدف ربط المصارف والمؤسسات المالية عبر منصة موحدة تتيح تنفيذ التحويلات الفورية ومدفوعات التجزئة وسداد الفواتير والرسوم الحكومية وإدارة البطاقات المصرفية.
لكن ما إن أعلن عن منح الترخيص حتى بدأت موجة واسعة من التساؤلات داخل القطاع المصرفي، خاصة أن الشركة لم يمض على تأسيسها سوى فترة وجيزة، الأمر الذي دفع كثيرين إلى التساؤل عن الأسس الفنية والتنظيمية التي استند إليها البنك المركزي في منحها هذا الدور الحيوي.
لماذا أُثيرت الاعتراضات؟
تركزت الاعتراضات على أكثر من محور، كان أبرزها حداثة الشركة مقارنة بمؤسسات تمتلك خبرة تراكمية في إدارة وتشغيل أنظمة الدفع الإلكتروني، إضافة إلى غياب معلومات كافية حول بنيتها المؤسسية وخلفياتها الاستثمارية، وهو ما دفع عددًا من المصرفيين إلى المطالبة بمزيد من الإفصاح والشفافية.
كما رأى عدد من المختصين أن إدارة محول للمعاملات المالية تختلف عن تقديم تطبيقات أو خدمات مالية رقمية، باعتبار أن المحول يمثل إحدى الركائز الأساسية للبنية التحتية للنظام المالي، ويستوجب أعلى درجات الجاهزية الفنية والرقابية.
وامتد النقاش إلى التساؤل حول مستقبل شركة الخدمات المصرفية الإلكترونية (EBS)، التي ارتبط اسمها طوال أكثر من عقدين بإدارة وتشغيل أنظمة المدفوعات الإلكترونية في السودان.
لماذا تتمسك المصارف بـ(EBS)؟
تأسست شركة الخدمات المصرفية الإلكترونية عام 1999م، بمبادرة مشتركة بين بنك السودان المركزي واتحاد المصارف السوداني، وبدأت نشاطها رسميًا في عام 2000م بهدف تحديث البنية التقنية للقطاع المصرفي وتطوير خدمات الدفع الإلكتروني.
ومنذ ذلك الوقت، أصبحت الشركة مسؤولة عن تشغيل عدد من الأنظمة الحيوية، تشمل شبكات الصرافات الآلية، ونقاط البيع، والتحويلات المصرفية، وخدمات الربط الإلكتروني بين المصارف، إلى جانب تطوير الحلول التقنية الخاصة بمنظومة المدفوعات الوطنية.
ولهذا السبب، اعتبر عدد من المصرفيين أن منح أول ترخيص لشركة حديثة النشأة، في ظل وجود مؤسسة تمتلك هذه الخبرة الطويلة، يطرح تساؤلات مشروعة حول فلسفة البنك المركزي في إدارة هذا القطاع، وما إذا كانت الخطوة تمثل بداية لتحرير سوق تشغيل أنظمة المدفوعات أو مجرد تجربة تنظيمية جديدة.

مخاوف تتعلق بأمن البيانات
ولم يقتصر الجدل على الجوانب المؤسسية، بل امتد إلى ملف أمن المعلومات وحماية البيانات المصرفية، وهو الملف الذي وصفه خبراء بأنه يمثل جوهر القضية.
وانتقد الخبير المصرفي وليد دليل منح ترخيص تشغيل محول مالي لشركة خاصة، معتبرًا أن المحولات الرقمية الخاصة لا تقدم -من وجهة نظره- قيمة مضافة حقيقية إلى منظومة المدفوعات الوطنية، وإنما تضيف كلفة تشغيلية جديدة على النظام المالي.
وحذر من أن تنفيذ المعاملات عبر محولات خارج المحول القومي قد يحدُّ من كفاءة الرقابة الفورية، ويؤثر في فعالية منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، فضلًا عن أن إسناد بيانات الحسابات المصرفية إلى منصات خاصة يثير تساؤلات تتعلق بأمن المعلومات وحماية البيانات.
ودعا إلى توجيه الاستثمارات نحو دعم شركات التكنولوجيا الوطنية لتطوير التطبيقات والخدمات المالية المبتكرة، بدلًا من إنشاء محولات وسيطة جديدة، بما يحافظ على أمن البنية التحتية المالية ويضمن استمرار الرقابة الكاملة من جانب البنك المركزي.
(المركزي) يتراجع… ويعيد ضبط بوابة الدخول إلى قطاع المدفوعات
جاء قرار بنك السودان المركزي بإلغاء الترخيص الممنوح لشركة "العسجد" ليعيد ترتيب المشهد سريعًا، بعد أن تحول الملف من خطوة تنظيمية إلى قضية رأي عام داخل القطاع المصرفي.
ويشير إلى أن التراجع لم يكن بمعزل عن حجم الاعتراضات التي طالت القرار خلال فترة قصيرة، خصوصًا في ما يتعلق بأمن البيانات، وحدود إشراك القطاع الخاص في البنية التحتية الحساسة للمدفوعات، وهي قضية تُعدُّ من أكثر الملفات تعقيدًا في النظام المالي السوداني.
وبحسب مصادر مصرفية، فإن قرار الإلغاء عكس أيضًا رغبة البنك المركزي في إعادة ضبط معايير منح التراخيص المستقبلية، وتفادي أية خطوات قد تُفهم باعتبارها تحولًا غير محسوب في هيكل السيطرة على أنظمة الدفع.
لجنة طارئة لإعادة تقييم المشهد الرقمي
في أعقاب الجدل، وجّهت محافظ بنك السودان المركزي، آمنة ميرغني، بتشكيل لجنة طارئة تضم الإدارة القانونية بالبنك، وشركة الخدمات المصرفية الإلكترونية (EBS)، إلى جانب جهات فنية واختصاصية أخرى، لمراجعة جميع الطلبات والعروض المقدمة من شركات التقنية المالية.
وستتولى اللجنة وضع معايير أكثر صرامة لاختيار الشركات المؤهلة للعمل في قطاع نظم الدفع الإلكتروني، بما يشمل الجوانب القانونية والفنية والأمن السيبراني، إضافة إلى متطلبات الحوكمة وإدارة المخاطر.
وتشير هذه الخطوة إلى اتجاه نحو إعادة بناء "بوابة الدخول" إلى قطاع المدفوعات الرقمية، بحيث لا تُمنح التراخيص إلا ضمن إطار أكثر تدقيقًا وتشديدًا، في محاولة لاحتواء المخاوف التي أثارها الترخيص الأول.
بنك السودان: الانفتاح مستمر لكن بشروط أكثر صرامة
في بيان لاحق، أكد بنك السودان المركزي أنه يواصل التوجه نحو تطوير نظم الدفع الوطنية وتعزيز الشمول المالي، مع فتح المجال أمام القطاع الخاص للمساهمة في البنية الرقمية.
لكن البنك شدد -في الوقت ذاته- على أن هذا الانفتاح لن يتم خارج إطار الضوابط التنظيمية الصارمة، التي تشمل معايير الأمن السيبراني، وحوكمة البيانات، والملاءة المالية، وإدارة المخاطر التشغيلية.
كما أكد أن البنك المركزي سيظل الجهة الوحيدة المخولة بوضع السياسات العامة والإشراف والرقابة على جميع مكونات منظومة المدفوعات، بما يضمن استقرار النظام المالي وحماية بيانات العملاء.
"قضية العسجد" تفتح ملف السيادة الرقمية
على الرغم من إغلاق الملف إداريًا بإلغاء الترخيص، إلا أن الجدل الذي أثارته تجربة "العسجد" لم يتوقف فعليًا، بل فتح نقاشًا أوسع داخل الأوساط المصرفية حول مفهوم "السيادة الرقمية" في السودان.
فبين من يرى ضرورة الانفتاح على شركات التقنية المالية لتسريع التحول الرقمي، ومن يحذر من تفكيك مركزية البنية التحتية للمدفوعات، يبقى السؤال الأعمق قائمًا: من يملك فعليًا شرايين النظام المالي في البلاد؟
ويرى خبراء أن ما حدث لم يكن مجرد خلاف حول ترخيص شركة، بل اختبار مبكر لمعادلة معقدة تجمع بين التكنولوجيا والسياسة والاقتصاد، في قطاع يُعد من أكثر القطاعات حساسية في أية دولة.
جدل لم يحسم… ونقاش مفتوح على المستقبل
وبين التراجع الرسمي، والتطمينات التنظيمية، وإعادة تشكيل لجان المراجعة، يبدو أن ملف المدفوعات الرقمية في السودان دخل مرحلة جديدة من إعادة التعريف.
مرحلة لا يتعلق فيها النقاش فقط بالتقنيات أو الشركات، بل بمستقبل هيكل النظام المالي نفسه، وحدود الدور الذي يمكن أن يلعبه القطاع الخاص في بنية تقليديًا تُدار من مركز واحد.
وفي انتظار ما ستسفر عنه قرارات اللجنة الطارئة، يبقى الملف مفتوحًا على احتمالات متعددة، في اقتصاد يواجه تحديات معقدة.



التعليقات (0)
جاري التحميل...