محمد الأمين عبد النبي

 

تعود إثيوبيا إلى واجهة القلق الإقليمي مع تصاعد التوتر في إقليم تيغراي، في تطور يحمل دلالات تتجاوز حدود المواجهة الداخلية. تطور المشهد يشير إلى أن اتفاق السلام الذي أنهى الحرب السابقة لم يعالج جذور الصراع.

الأكثر أهمية في التطورات هو ظهور تحالف يضم سبع جماعات مسلحة، بينها قوى كانت في معسكرات متقابلة خلال حرب تيغراي. ويعكس هذا التحالف تحولًا في طبيعة الصراع من أزمات متفرقة إلى تجميع قوى مختلفة حول هدف إسقاط سلطة أبي أحمد. غير أن هذا التلاقي لا يلغي التناقضات العميقة بين أطرافه بشأن الهوية والحدود وتوزيع السلطة وشكل الدولة.

وتكمن خطورة اللحظة الإثيوبية في أن اتساع رقعة المواجهة قد يفتح سلسلة من التداعيات يصعب التحكم في مساراتها. فإثيوبيا دولة كبيرة ومتعددة القوميات، وأي انتقال إلى مواجهات متعددة الجبهات قد يضغط على تماسكها، ويفتح المجال أمام استقطابات جديدة، ويزيد من موجات النزوح والتهجير واقتصاد الحرب ونقل السلاح عبر الحدود. كما أن تداخل ملفات الأمن والهوية والأرض يجعل احتواء الصراع أكثر تعقيدًا كلما طال أمده.

 

ومن هنا تبرز مسألة جوهرية بالنسبة إلى دول الإقليم، وفي مقدمتها السودان: ليس من المصلحة الاستثمار في الحرب الإثيوبية أو التعامل معها كفرصة لإعادة ترتيب موازين القوى. فالتجربة خلال السنوات الماضية أظهرت أن الحروب التي تبدأ محددة قد تنتهي إلى تحولات أوسع من أهداف الأطراف التي أشعلتها. واستمرار الصراع قد يقود إلى نتائج يصعب السيطرة عليها، بما في ذلك تفكك شبكات الأمن الإقليمي وتزايد النزوح والجريمة العابرة للحدود وتوسع اقتصاد الحرب.

وفي هذا السياق، فإن الحفاظ على دولة إثيوبية موحدة ومستقرة يمثل عاملًا مهمًا في توازن القرن الأفريقي، بينما يمكن أن يؤدي الانقسام الجغرافي   داخلها إلى إعادة إنتاج بؤر صراع ممتدة. ولا يعني ذلك تجاهل مطالب الأقاليم، وإنما تسريع التفاوض لمعالجة جذور الأزمة.

وتزداد حساسية هذه المعادلة بالنسبة للسودان بسبب الحرب المستمرة منذ أبريل 2023. فالبلدان لا يفصل بينهما مجرد خط حدودي، وإنما شبكة واسعة من المصالح وحركة السكان والتجارة والروابط الاجتماعية والتحديات الأمنية. وأي اتساع للصراع في تيغراي أو أمهرا ستكون له آثار ثقيلة على السودان، من خلال اللجوء والتهريب واضطراب التجارة وارتفاع الضغوط الأمنية والإنسانية في مناطق سودانية تعاني أصلًا من آثار الحرب.

كما أن استمرار الحرب في السودان في الوقت الذي تتصاعد فيه أزمات القرن الأفريقي، يعني أن المنطقة تدخل في دائرة من الأزمات المتشابكة، حيث يمكن للصراع في دولة أن يضاعف ضعف دولة أخرى، ويمكن للأزمة الإنسانية أن تتحول إلى مشكلة أمنية معقدة. ولذلك فإن وقف الحرب في السودان أصبح ضرورة لا تحتمل التأجيل وترتبط بأمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي ودول الجوار.

المطلوب في هذه اللحظة عدم تحويل الحرب الإثيوبية إلى ساحة للمنافسة الإقليمية، وتشجيع التسوية السياسية التي تحفظ وحدة الدولة وتستجيب لمظالم القوميات. وبالنسبة إلى السودان، فإن الأولوية لا ينبغي أن تكون توظيف نتائج الصراعات المحيطة، وإنما إنهاء الحرب وبناء مسار سياسي مدني قادر على استعادة الدولة.

فالقرن الأفريقي لا يحتمل حربين كبيرتين متزامنتين، والسودان تحديدًا لا يملك رفاهية الانتظار حتى تنضج أزمات الآخرين. وكلما اتسعت دائرة عدم الاستقرار حوله، ازدادت كلفة الحرب داخله. ولهذا فإن وقف القتال في السودان، بالتوازي مع دعم الحل السياسي في إثيوبيا، يصبحان جزءًا من معادلة احتواء أزمات القرن الأفريقي قبل أن تتحول إلى نظام إقليمي جديد تحكمه الحروب وتوازنات القوة.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...