إيهاب الأمين
يرتبط الإنسان بالإيقاع والنغم منذ بدايات الخلق، فالكون من حولنا يتحرك وفق نبض منتظم، ودقات قلب الجنين في رحم أمه هي أول إيقاع حيوي يتصل به وجدان البشر. وفي تاريخ الثقافات الإنسانية والشرائع، حظي الصوت الحسن والإيقاع المنظم بمكانة خاصة، فنجد في السنة النبوية المطهرة رخصة واضحة ودعوة لإعلان النكاح باستخدام الطار (الدف)، وهو آلة إيقاعية تمثل حجر الأساس لأي بناء موسيقي، مما يدل على أن الإسلام لم يقف موقفاً مصادماً للفطرة الإنسانية التي تطرب للصوت الجميل والإيقاع الموزون، بل وجهها نحو الإعلان والبهجة. ومن الناحية المنطقية والتاريخية، فإن اقتصار استخدام الدف في ذلك العصر يعود لكونه الآلة المتاحة والمألوفة في البيئة الحجازية حينها، ومثل هذه التشريعات جاءت لتراعي واقع الناس وتطور أدواتهم، ولو وجدت آلات أخرى متطورة في ذلك العصر لربما شملتها الرخصة ما دامت تحقق نفس الهدف النبيل، وهو إدخال البهجة والسرور المشاع. ومما يؤكد مرونة الشريعة وفصلها بين السلوكيات الفردية والأحكام العامة أن السلوك البشري معقد للغاية، فقد يُبتلى إنسان صالح يحفظ القرآن الكريم كاملاً بإدمان الخمر نتيجة ظروف نفسية أو بيولوجية، وهذا يؤكد أن الإدمان مرض يحتاج إلى علاج، وليس دليلاً على فساد العقيدة، كما يبين أنه لا رابط منطقياً أو دينياً بين تعاطي الخمر وبين الاستمتاع بالفنون أو الموسيقا، فكل مسألة لها سياقها الخاص، والخلط بينهما هو نتاج أفكار متشددة تحاول تحريم كل ما يجلب الراحة للنفس البشرية.
ولم يكن الفكر الإسلامي عبر تاريخه بعيداً عن هذا التوجه الإنساني والعلمي، بل إن علماء المسلمين الأوائل وفلاسفتهم كانوا من رواد استخدام النغم والإيقاع في الاستشفاء والتطبيب، وضمّنوا ذلك في مصنفاتهم الطبية، وحققوا فيه سبقاً تاريخياً كبيراً. فقد اهتم الفيلسوف والطبيب يعقوب بن إسحاق الكندي بتأثير الموسيقا على النفس والجسد، ووضع نظريات تربط بين المقامات الموسيقية وطبائع الإنسان الفسيولوجية، بل إنه حاول استخدام العزف لتنشيط الدورة الدموية وعلاج بعض حالات الشلل. وسار على نهجه الفيلسوف البارع أبو نصر الفارابي، الذي ألف كتاب الموسيقى الكبير، وكان يرى أن الألحان تمتلك قدرة مباشرة على إثارة انفعالات معينة أو تسكينها، ووظف معارفه الموسيقية في توليد مشاعر الراحة وتبديد الحزن والاضطراب لدى المرضى. وجاء رئيس الأطباء أبو علي بن سينا ليؤكد في كتابه الشهير (القانون في الطب) أن الموسيقا تعد من أفضل الطرق لعلاج الأمراض النفسية والعقلية، وأوضح أن التأثير المتبادل بين النفس والجسد يجعل من النغمات الرقيقة أداة فعالة لتخفيف حدة الأمراض العضوية وتسكين الأوجاع. ولم تقتصر هذه الآراء على الكتب، بل طُبقت عملياً في الحضارة الإسلامية داخل المستشفيات الكبرى المتقدمة التي عرفت باسم البيمارستانات، مثل بيمارستان نور الدين في دمشق والبيمارستان المنصوري في القاهرة، حيث كانت تخصص فرق من العازفين والمغنين لزيارة المرضى والمرضى النفسيين بهدف الترفيه عنهم ومساعدتهم على الشفاء العاجل، مما يثبت أن الاستشفاء بالنغم هو إرث أصيل في الفكر العلمي الإسلامي.
ومن الناحية الطبية الحديثة، يلتقي العلم المعاصر مع هذه الرؤى التاريخية ليؤكد أن العلاج بالموسيقا يستند إلى دراسات رصينة وتطبيقات سريرية أثبتت نجاحها على أرض الواقع. وتعتمد فكرة هذا العلاج على قدرة النغمات والإيقاعات المنظمة على تحفيز مناطق واسعة في الدماغ، مما يساعد على إفراز هرمونات السعادة والراحة مثل الدوبامين والإندورفين، وتقليل مستويات هرمون الكورتيزول المسؤول عن التوتر. وهذا التأثير البيولوجي المباشر يساعد في خفض ضغط الدم وتنظيم ضربات القلب وتخفيف الآلام المزمنة، فضلاً عن تحسين الذاكرة والقدرات الإدراكية لدى المصابين بأمراض انتكاس الأعصاب. ويظهر التأثير الفعلي لهذا العلاج على أرض الواقع في غرف العناية المركزة ومراكز إعادة التأهيل، حيث يساعد المرضى الذين فقدوا القدرة على الكلام بسبب السكتات الدماغية على استعادة نطقهم عبر التغني بالكلمات أولاً، كما يساهم بشكل ملحوظ في تهدئة الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد وزيادة قدرتهم على التواصل الاجتماعي والتركيز.
وقد اعتمدت كبرى المؤسسات الصحية والطبية العالمية هذا الأسلوب العلاجي وأدرجته ضمن برامجها الرسمية، ومن أبرز هذه الجهات الرابطة الأمريكية للعلاج بالموسيقا، وهي منظمة رائدة تضع المعايير العلمية والتدريبية لهذا التخصص، وكذلك منظمة الصحة العالمية، التي أشارت في عدة تقارير إلى أهمية الفنون والموسيقا في تعزيز الصحة العامة والنفسية. كما يطبق هذا العلاج في مستشفيات عالمية مرموقة، مثل مستشفى مايو كلينك في الولايات المتحدة الأمريكية ومركز إم دي أندرسون لعلاج السرطان، حيث يستخدم لمساعدة المرضى على تحمل جلسات العلاج الكيماوي وتقليل القلق المصاحب لها.
ويبرز في هذا المجال أسماء أطباء وعلماء مشهورين أسهموا في إثبات هذا الأثر علمياً، ومنهم الطبيب والعالم الشهير أوليفر ساكس، الذي ألف كتاباً كاملاً استعرض فيه حالات مرضية معقدة استجابت للعلاج بالموسيقا بشكل مذهل، والطبيبة الكندية ثوت مايكل، التي قادت أبحاثاً رائدة في علم الأعصاب الإدراكي الموسيقي وتأثير الإيقاع على الحركة.
إن هذه الشواهد العلمية والتاريخية تؤكد أن الموسيقا أداة إنسانية راقية لعلاج الروح والجسد، وأن محاولات تحريمها لا تستند إلى منطق علمي أو مقاصد دينية سمحة تفهم طبيعة النفس البشرية واحتياجاتها.




التعليقات (0)
جاري التحميل...