لبنى أحمد حسين
من؟
لنبدأ بالسؤال البسيط: مَنْ وقع اتفاق تشغيل سد النهضة باسم السودان؟
في أغسطس 2022، كانت وزارة الري السودانية تعلن أن المهندس مصطفى حسين هو رئيس وفد التفاوض "الفني" حول سد النهضة، وتؤكد تمسك السودان بالتوصل إلى اتفاق ملزم بين السودان ومصر وإثيوبيا.
لكن بعد شهرين فقط، وفي وثيقة مؤرخة في 26 أكتوبر 2022، يظهر بروف سيف الدين حمد عبد الله رئيسًا للوفد السوداني.
فماذا حدث خلال الشهرين؟ ومَنْ قرر تغيير رئيس الوفد السوداني؟ وحذف صفة "الفني" المنعوت بها الوفد؟ وهل أعلن عن ذلك؟ وهل كان التغيير في الأشخاص فقط، أم في المواقف أيضًا؟ خاصة وأن ما وقع كان اتفاقًا ثنائيًا بين السودان وإثيوبيا... ومَنْ الذي بالطرف الإثيوبي؟ هل هو ذاته سيلشي بيكيلي، سفير إثيوبيا لدى الولايات المتحدة حينها؟
متى؟
26 أكتوبر 2022.
التاريخ له دلالة سياسية لا تخطئها العين: الاتفاق وقع بعد عام ويوم بالضبط من انقلاب 25 أكتوبر 2021.
أين؟
الوثيقة تقول إنها وقعت في الخرطوم. لكن توقيع وزير المياه والطاقة الإثيوبي يغيب عن الصفحات الثلاث الأولى، بينما يظهر توقيع الوزير السوداني المكلف حينها ضو البيت عبد الرحمن منصور... وكيف وصل توقيع الوزير الإثيوبي إلى وثيقة قيل إنها وقعت في الخرطوم في 26 أكتوبر 2022، بينما كان الوزير الإثيوبي، بحسب ما ظهر من نشاطه في ذلك التاريخ، خارج السودان؟
لا نعرف. والوثيقة لا تجيب.
ماذا وقع؟
التشغيل
البند 2.1 يحدد الأول من يوليو بداية السنة الهيدرولوجية، ويمنح إثيوبيا مهمة تحديد منحنى قواعد التشغيل السنوي وإبلاغ اللجنة الفنية به.
لكن الاتفاق لا يحدد موعد هذا الإبلاغ عن الفترة من يوليو إلى أكتوبر، بينما يحدد صراحة الأول من نوفمبر للإبلاغ عن منحنى التشغيل للأشهر المتبقية. وإذا كان المطلوب من السودان أن ينسق تشغيل الروصيرص مع سد النهضة، فكيف ينسق السودان في الشهور من يوليو إلى أكتوبر مع منحنى تشغيل لم يلزم الاتفاق إثيوبيا بإبلاغ اللجنة الفنية به في موعد محدد قبل تنفيذه؟
والبند 2.3 ينص على أن إعادة ملء خزان سد النهضة، في إطار التشغيل السنوي للسد، تتم خلال أشهر يوليو وأغسطس وسبتمبر وأكتوبر.
يبيح الاتفاق لإثيوبيا إعادة الملء مع بداية يوليو، وهي الفترة التي ترتفع فيها احتياجات السودان للمياه، بينما لا يكون موسم الأمطار قد بلغ ذروته بعد.
البيانات ليست إخطارًا مسبقًا
البندان 3.1 و3.2، يتحدثان عن تبادل بيانات على أساس زمني شهري ويومي. وفي 3.2 تحديدًا، يتم تبادل بيانات يومية عن مناسيب المياه والتصريفات في سد النهضة والروصيرص.
لكن عبارة "على أساس يومي" تحدد وتيرة التبادل، ولا تحدد هل ما يتم تبادله هو بيانات اليوم السابق، أم اليوم الحالي، أم توقعات وتخطيط لليوم التالي؟ ومتى ترسل؟ لا يحدد النص الذي أمامنا ذلك، ولا يشترط وصول البيانات قبل تغيير التصريف.
فتبادل البيانات شيء، والإخطار المسبق شيء آخر.
أما البندان 4.5 و4.6، اللذان يتحدثان عن الإخطار، فلا ينصان على إخطار مسبق بتغيير التصريف. فـ4.5 يتحدث عن مشكلة في كمية أو جودة المياه تشكل حالة طوارئ، ويطلب إخطار اللجنة الفنية وطلب اجتماع عاجل. و4.6 يلزم إثيوبيا بالإخطار الفوري عند حدوث توقف مفاجئ وغير مخطط له لتوليد الكهرباء، أي أن الإخطار هنا مرتبط بوقوع التوقف أو ظهوره، لا بإخطار مسبق به.
فمن يملك قرار الاستجابة؟ وهل تستطيع اللجنة إلزام إثيوبيا بتغيير التشغيل أو التصريف؟ ومَنْ يتحمل المسؤولية إذا وقع الضرر؟
فالإخطار بعد ظهور الطارئ لا يعيد المياه التي انحسرت، ولا المحطة التي توقفت، ولا محصول المزارع الذي تلف.
والسؤال الذي يهم السودان: أين النص الذي يلزم بالتعويض إذا وقع الضرر؟ وأين الإخطار المسبق عند تغيير التصريف؟
سلامة السدود
وفي باب سلامة السدود، يقر الاتفاق بمصالح المجتمعات فيما يتعلق بسلامة السد، وينص على أن يضمن السودان وإثيوبيا أن تكون تدابير سلامة السدود لديهما محدثة.
كلام جميل... لكن ما هي هذه الضمانات؟
أم أننا أمام كلام معسول وعبارات رنانة بلا ضمانات قابلة للقياس أو المحاسبة؟ فالالتزام المحدد الذي نجده لإثيوبيا منفردة، بلا دوران أو تسويف في الاتفاق، هو إزالة الغطاء النباتي، كما في 4.4... أي والله.
ثم هل يعني الإقرار بمصالح المجتمعات التزامًا بحماية هذه المصالح واستمرارها؟ أم مجرد الاعتراف بها؟ وماذا يحدث إذا تعرضت تلك المصالح للضرر؟ هل هناك تعويض؟ ومن يتحمل المسؤولية؟
وماذا عن الآثار البيئية والاجتماعية؟
في القسم الخامس، ينص الاتفاق على إجراء تقييمات للأثر البيئي والاجتماعي العابرة للحدود، ومعالجة توصيات هذه الدراسات، لكنه لا يحدد موعدًا لإجرائها ولا إطارًا زمنيًا لإنجازها.
فكيف اتفق الطرفان على قواعد ملء وتشغيل سد بهذا الحجم، بينما يقر الاتفاق نفسه بإجراء تقييمات لآثاره البيئية والاجتماعية العابرة للحدود من دون تحديد موعد لإنجازها؟
وكيف سيعمل الروصيرص؟
إذا كان لإثيوبيا أن تملأ سدها الضخم في الأشهر من بداية يوليو حتى نهاية أكتوبر، فهل سيخزن السودان مياهه فعلًا في أشهر الجفاف والتحاريق؟ وماذا يشرب الناس وبماذا يزرعون خلال هذه الأشهر؟ وهل للسودان فائض للتخزين في ذلك التوقيت، ونحن نرى اليوم، ومن دون تخزين، يكاد البعض يعبر النيل سيرًا على الأقدام؟
منشن:
وزارة الزراعة والري- السودان
اتحاد المزارعين السودانيين
وزارة الري والطاقة- إثيوبيا




التعليقات (0)
جاري التحميل...