محمد الأمين عبد النبي
وقع رئيسا إيران والولايات المتحدة، اتفاقًا إطاريًا برعاية وجهود أطراف ضامنة؛ يهدف إلى وضع الأسس الكفيلة بإنهاء النزاع، وصياغة أجندة تفاوضية ترتكز على مبادئ احترام السيادة، وضمان حرية الملاحة الدولية في الممرات المائية الحيوية، وحسم الملف النووي عبر آليات رقابية وفنية، بما يضمن تفكيك بؤر التوتر الاقتصادي، ويؤسس لمرحلة جديدة قائمة على المصالح المتبادلة.
وترى الولايات المتحدة في هذا التفاهم الأولي، أداةً لكبح المشروع النووي الإيراني وضبط سلوك طهران الإقليمي من خلال التزامات قانونية -وإن كانت غير نهائية- بينما توظفه إيران كفرصة لالتقاط الأنفاس، وتخفيف وطأة العقوبات الاقتصادية، وتثبيت شرعية نفوذها بوصفها رقمًا صعبًا في المنطقة لا يمكن تجاوزه. وبناءً على ذلك، تُعد مذكرة التفاهم خطوة مهمة لبناء الثقة وفتح الطريق أمام اتفاق نهائي ينقل الأطراف من ضفة العداء إلى ضفة الالتزام القانوني والتنفيذ الواضح.
بالتأكيد، يتجاوز أي تقارب أمريكي إيراني حدود الطرفين ليلقي بظلاله على المعادلات الإقليمية؛ إذ تنظر إسرائيل ودول الخليج بحذر شديد إلى هذا التفاهم، خشية أن يكون محاولة لإعادة توزيع النفوذ الإقليمي على حساب هواجس الحلفاء التقليديين. وعليه، فإن السؤال الجوهري يكمن في قدرة الاتفاق على تغيير السلوك السياسي والعسكري على الأرض. ولأن أسباب الصراع ما زالت قائمة، فإن هذا التفاهم يبقى تسوية مؤقتة معلقة على توازنات هشة تمنع الانزلاق إلى حرب مدمرة لأسواق الطاقة والملاحة، لكنها لا تصنع سلامًا حقيقيًا ما دام يُستخدم كأداة لإعادة التموضع الإقليمي.
إن حصر التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران دون إشراك إسرائيل ودول الخليج وبقية دول المنطقة بوصفها أطرافًا رئيسة في الصراع -مع الاكتفاء بمراعاة شواغلها دون معالجة بؤر الصراع الأخرى في الشرق الأوسط- يشير إلى أن حسابات الكلفة الجيوسياسية والاقتصادية للحرب باتت تفوق حدود احتمال الولايات المتحدة، وتهدد أمن الطاقة العالمي. وينطلق هذا من إدراك متزايد بمحدودية الحسم العسكري وضرورة إدارة النزاع كمدخل رئيس لصناعة تسوية بوسائل سياسية ودبلوماسية تحول دون الوصول إلى حافة الهاوية.
ومما لا شك فيه أن بنود التفاهم تجاوزت فكرة الهدنة المؤقتة لتضع حجر الأساس لهيكل أمني إقليمي جديد؛ إذ يرتكز الاتفاق على صفقة تشمل تجميد الطموح النووي العسكري لإيران وتوسيع صلاحيات التفتيش الدولي، مقابل حوافز اقتصادية لطهران تتمثل في الإفراج التدريجي عن الأصول المجمدة وتخفيف القيود المصرفية.
يرسخ هذا الاتفاق مبدأ مفاده أن الأمن الاقتصادي وحرية الملاحة الدولية، يمثلان الدافع الحقيقي للمفاوضات، وليس السعي إلى سلام شامل. فمن خلال تأمين مضيق هرمز والبحر الأحمر وضمان تدفق تجارة النفط العالمية، يتحول السلام إلى شبكة مصالح معقدة تتقاطع فيها رغبة واشنطن في تقليص انخراطها العسكري، وحاجة إسرائيل إلى استعادة استقرارها الاقتصادي، وتطلع إيران إلى الاندماج في مسارات الاقتصاد العالمي. ويجعل هذا الترابط من استقرار أسواق الطاقة وتراجع تكاليف التأمين البحري مصلحة جماعية للقوى الإقليمية والدولية، بما في ذلك الصين وروسيا وأوروبا.
وبناءً على هذا المنظور، تتأرجح المنطقة بين ولادة شرق أوسط جديد قائم على الاقتصاد والاعتماد المتبادل، وبين تأجيل مشروع سلام حقيقي تحكمه هشاشة الثقة التاريخية بين الأطراف. صحيح، أن بعض دول المنطقة قد تكون من أكبر المستفيدين من هذا التحول في إطار تعزيز الأمن القومي بمفهومه الاقتصادي، إلا أن نجاح هذا التوجه يظل رهينًا بقدرته على مواجهة التحديات البنيوية، مثل الضغوط الداخلية لكل طرف، واحتمالات الاختراق السيبراني، أو التصعيد العسكري المفاجئ، وتحويل لغة الصواريخ نهائيًا إلى آليات دائمة لحماية الممرات المائية وتحقيق التكامل الاقتصادي المستدام.
وعلى الرغم من الأهمية الاستراتيجية للتفاهم الأمريكي الإيراني باعتباره خطوة مهمة نحو تهدئة التوترات وحماية الممرات البحرية الحيوية، فإنه يظل مقاربة منقوصة ومؤقتة ما لم يتجاوز المنطق البراغماتي إلى معالجة الأزمات العميقة في المنطقة. فالرهان على المدخل الاقتصادي وتأمين ممرات الطاقة كبديل عن التسوية السياسية الشاملة يظل رهانًا هشًّا؛ إذ إن أي استقرار اقتصادي لا يعالج جذور الصراعات المزمنة في الشرق الأوسط سيجعل المنطقة بأسرها عرضة لتجدد التوترات، ويحول الاتفاق إلى مجرد هدنة قابلة للانهيار عند أول منعطف.
لذلك، سيبقى مستقبل هذا الاتفاق مرهونًا بمدى قدرة أجندة التفاوض التفصيلية خلال المرحلة المقبلة على معالجة بقية الملفات الساخنة، وإنهاء الحروب، ووضع حدٍّ لمعاناة الدول المأزومة، بما يحول التفاهم من صفقة تكتيكية لتأمين المصالح الاقتصادية إلى مظلة أمنية إقليمية استراتيجية مستدامة.




التعليقات (0)
جاري التحميل...