د. عثمان البشرى المهدي

 

"لا تعليم في وضع أليم"، شعار كان يرفعه جمهور الطلبة إبان تظاهراتهم ضد النظم الحاكمة العسكرية، وذلك تعاطفًا مع أهاليهم الذين ضاقت بهم سبل المعيشة ووسائل اكتسابها وتدنت بهم لما دون مستوى حدّ الكفاف، وربما يركب موجة ترديد ذلك الشعار  عدد آخر من الطلاب (استهبالًا) واهتبالًا للفرصة من أجل الحصول على عطلة لأجل غير مسمى، حينما تضيق النظم الحاكمة بموجات التظاهر.

ولعلنا كنا لا ندري أن هذا الوضع الأليم قادم لا محالة وسيحدث في سودان "ما قد كان وما سيكون".

فليس هنالك أكثر إيلامًا للبشر والحجر على حدّ سواء، إلا هذه الحرب اللعينة التي قضت على سكينة الأنفس وأمنها وطمأنينتها.

لكن تبدو في الأفق، أحقية وأهمية التعليم في ظل هذا الوضع الأليم. مواثيق تعارفت عليها منظمات الأمم المتحدة والتي أكدت -بصريح العبارة- على أهمية استمرار العملية التعليمية أثناء الحروب والكوارث، مستصحبة في ذلك كل الظروف التي تحيط بها وتؤثر عليها، ولكنها في ذات الأوان وازنت بين ظهور فجوة بين فاقد تعليمي من الأعمار التي في سن الدراسة لم ينل حظه أثناء الحرب وأولئك الذين نالوه في زمن السلم، ولعل السودان (أصلًا ما ناقص فينطبق عليه المثل عايرة وأدوها سوط).

ظهر توجه مؤخرًا تحت مسمى استدامة العملية التعليمية، وتبني استراتيجيات للتعليم مدى الحياة، أشارت له منظمة اليونسكو، وعرفته بأنه السعي الدائم لاكتساب المعرفة، مبنيًا على دوافع ذاتية لأسباب شخصية أو مهنية، ويعد ضرورة للارتقاء بالإنسان للمنافسة وتوظيف قدراته الاجتماعية والمواطنة والإسهام في عجلة التنمية المستدامة. ولعل هذا عين ما يحتاجه السودان.

كان أهل السودان، وقد تراهم سكارى وما هم كذلك، يتغنون للمعلم (أبقى كنبة جوا الفصول، وأبقى طرحة لي ست بتول المدرسة)، ويحترمون التعليم وأدواته لدرجة القداسة.

ولكن جاء اليوم الذي أصبح فيه الطالب، يتراقص أمام معلمه كنوع من الفهلوة و(شم الأباط).

في عموميته أصبح التعليم مهنة تعتمد على التلقين الببغاوي... وتسلّع كغيره.. فالمدرسة غدت "كنتين"... لا ساحة تمارس فيها الأنشطة... سقطت من اللافتة عمدًا كلمة التربية فأصبحت وزارة التعليم فقط، قس على ذلك ما ينتج من عبث.

أبرزت نتيجة هذا العام لامتحانات الثانوية وفي السنوات السابقة، ظهور إمبراطورية تعليمية، لأحد المتنفذين، والذي ظلت مدارسه الاستثمارية تتحصل على أعلى درجات النجاح، بل إن معظم الطلاب المئة الأوائل من منسوبي مدارسه. دار همس في المدينة حول ذلك الأمر، وتعدى الهمس ليصل مرحلة الشبهة، كان يستوجب التحري والبحث، ليس بمنطق المؤامرة بل الوصول لإجابات حول كثير مما أثير عنه... ولكن لتضارب المصالح مع المتنفذين في الدولة ووزارة التعليم غض الطرف عن ذلك، وأصبح المسؤولون "عاملين أضان الحامل طرشا"، بالرغم من أهمية الأمر وانعكاسه على شفافية الامتحانات وتطمين الطلاب وذويهم.

التعليم في السودان يحتاج إلى غربلة... وثورة حقيقية... تستطيع تحديث المناهج أولًا، ومراجعة التعليم الخاص من حيث أبنيته التعليمية، وإداراته ومعلميه.

كذلك لا بد من الاهتمام بالمدارس الحكومية التي كانت نبراسًا وتضم بين جنباتها النوابغ، لإعادتها سيرتها السابقة.

أعطني معلمًا جيدًا أعطيك أمة واعدة وخيرة.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...