محمد الأمين عبد النبي
لم يعد الإسلام السياسي، في المخيال الجمعي السوداني، مجرد خيار في سوق التنافس السياسي، وإنما تحوّل، بعد تجربة امتدت ثلاثة عقود، إلى بضاعة كاسدة لا تجد من يشتريها. فالوجدان الشعبي لم ينقلب على الدين، وإنما لفظ النسخة التمكينية التي اتخذت من الإسلام دثارًا لتبرير أشد ممارسات الفساد فجاجة، واستخدمت القهر والاستبداد ونهب موارد البلاد لصالح فئة بعينها.
لقد أثبتت هذه التجربة أن ما سُمّي بالمشروع الحضاري لم يكن سوى غطاء لنهبٍ ممنهج وعنفٍ بنيوي، مما جعل أية محاولة لإعادة تسويقه تصطدم بحقيقة سنوات القمع والفساد، وتواجه كتلة حرجة من الوعي الشعبي باتت تفصل تمامًا بين تدينها الفطري والتوظيف النفعي للدين.
غير أن الفشل الأخلاقي للإسلام السياسي لم يكن صكَّ غفران يُمنح لدعاة التيار العلماني؛ إذ سرعان ما تكشفت عوراته المتطرفة، وتجلى بوضوح أن كثيرًا من النخب العلمانية لا تملك مشروعًا ديمقراطيًا حقيقيًا، وإنما تستثمر فشل الإسلاموية للوصول إلى كراسي السلطة عبر قفزات انتهازية ووسائل استبدادية.
فبدلًا من الاحتكام إلى الإرادة الشعبية، تحالفت هذه القوى مرارًا مع العسكر، وصادرت الحريات، وأهدرت المطلب الديمقراطي. وتفضح هذه الممارسات حقيقة أن العلمانوية المتطرفة ليست، في بعض تجلياتها، سوى الوجه الآخر لعملة الاستبداد. ولذلك، فإن الشعب السوداني لم يعد يُلدغ من جحر الاستبداد، سواء جاء باسم الدين أو باسم العلمانية.
وإزاء التهافت المتزايد لأطروحات الاستبداد بشقيه؛ الإسلاموي المنكفئ على لاهوت التمكين والقهر، والعلمانوي المتدثر برداء الحداثة، تبرز الدولة المدنية الديمقراطية باعتبارها بديلًا قادرًا على هندسة مستقبل السودان، من خلال تجاوز مأزق صراع الهوية، والتأسيس لشرعية يكون سؤالها المركزي "كيف يُحكم السودان؟"، وجعل الإرادة الشعبية الحرة المعيار الوحيد لمشروعية الحكم.
وتنهض الدولة المدنية الديمقراطية، في جوهرها، على حزمة من المبادئ التي تقطع الطريق أمام جميع صور الوصاية والشمولية، وفي مقدمتها المواطنة المتساوية التي تتأسس عليها الحقوق والواجبات بعيدًا عن الانتماءات الدينية أو الفكرية، والفصل بين السلطات بما يضمن استقلال القضاء وفاعلية الرقابة البرلمانية، ويمنع تغول النخب العسكرية على المجال العام، وسيادة حكم القانون، وحماية الحريات العامة، وضمان التداول السلمي للسلطة، فضلًا عن حياد مؤسسات الدولة، ولا سيما العسكرية والأمنية، ووقوفها على مسافة واحدة من جميع المكونات الثقافية والأيديولوجية، لتباشر مهامها الاحترافية في حماية الوطن دون التدخل في الفضاء السياسي.
إن هذا النموذج المدني السوداني ينقل الدولة من خانة الأداة العقائدية القمعية إلى خانة المؤسسة الديمقراطية، ويسنده وعيٌ شعبيٌّ ينبذ الاستبداد بجميع تجلياته.
إن الجدل المحتدم حول العلاقة بين الدين والدولة يكشف عن خط التماس الفاصل بين النهج الديمقراطي والنهج الاستبدادي؛ إذ لا يكمن الخلاف في تفاصيل هذه العلاقة بقدر ما يكمن في آلية حسمها ومصدر مشروعيتها.
فبينما ينزع الفكر الاستبدادي، سواء تخندق وراء لافتة الدين أو تدثر برداء العلمانية، إلى فرض تصوراته عبر مواثيق فوقية وإملاءات دستورية تُصاغ داخل غرف مغلقة وتُفرض قسرًا على المجتمع، يقوم النموذج المدني على صياغة عقد اجتماعي جديد يحسم القضايا الكبرى باعتبارها حقًا أصيلًا وحصريًا للإرادة الشعبية، التي تعبّر عن نفسها عبر الديمقراطية التوافقية، والانتخابات النزيهة، والاستفتاءات الشعبية.
إن حسم هذه العلاقة بإرادة شعبية حرة هو الضمانة الوحيدة لصناعة دستور دائم يكتسب قيمته من احترامه لوعي الشعب وخياراته. وبذلك تتحول العلاقة بين الدين والدولة من قنبلة موقوتة توظفها الأنظمة التسلطية إلى معادلة وطنية مستقرة يصونها الشعب وتحميها الشرعية الديمقراطية.




التعليقات (0)
جاري التحميل...