زورق الحقيقة

أبو هريرة زين العابدين عبد الحليم

 

 

أصبحت الشركات التي تعمل في حيز الذكاء الاصطناعي اليوم، كيانات ذات نفوذ يتجاوز الحدود الجغرافية، وتملك القدرة على التأثير في الأمن القومي، والاقتصاد، والسياسات العامة للدول. ومن بين هذه الشركات، برزت قضية شركة انثروبيك في الأسابيع الماضية، بوصفها لاعبًا مهمًا في تطوير نماذج ذكاء اصطناعي عالية القدرة، مع تركيز كبير على "السلامة" و"الضوابط الأخلاقية".

لكن هذا التركيز نفسه، وضع الشركة في مواجهة مباشرة مع إدارة ترامب، مما فتح نقاشًا واسعًا حول من يملك القرار السيادي التكنولوجي في عصر الذكاء الاصطناعي؟ خاصة أن هذه التكنولوجيا عابرة للقارات والجغرافية وتعمل في الفضاء الرقمي السيبراني والسحابي.

أولاً: طبيعة الإشكالية بين انثروبيك والإدارة الأميركية:

1. القيود على النماذج المتقدمة للذكاء الاصطناعي:

واجهت الشركة ضغوطًا حكومية تتعلق بنماذجها المتقدمة مثل Fable 5 وMythos 5، حيث اعتبرت جهات حكومية أن هذه النماذج قد تحتوي على نقاط تسمح بتجاوز الضوابط الأمنية.

هذا أدى إلى تعليق مؤقت لإطلاق بعض النماذج، قبل إعادة السماح بها بشروط.

2. الخلاف حول الاستخدام العسكري:

رفضت الشركة تزويد وزارة الدفاع الأميركية بأنظمة يمكن أن تُستخدم في:

- الأسلحة ذاتية التشغيل بالكامل.

- أنظمة مراقبة جماعية واسعة النطاق.

هذا الرفض دفع وزارة الدفاع إلى تصنيف الشركة بأنها "خطر على سلسلة الإمداد" -إذا صحت الترجمة- وهو تصنيف نادر، عادة ما يُستخدم ضد شركات أجنبية وليس شركات أميركية قبل أن يحل الخلاف.

3. البعد السياسي والأيديولوجي:

وصف الرئيس ترامب الشركة بأنها "راديكالية"، وأمر الوكالات الحكومية بالتوقف عن استخدام خدماتها خلال فترة زمنية محددة قبل التراجع.

هذا أعطى الخلاف بعدًا سياسيًا يتجاوز الجانب التقني.

ثانياً: كيف تؤثر هذه الإشكالية على القرار السيادي للدول؟

1. هيمنة الشركات على البنية التحتية الرقمية:

عندما تمتلك شركة خاصة القدرة على تعطيل أو تقييد استخدام نماذج ذكاء اصطناعي متقدمة، فإن ذلك يضع الدول أمام سؤال جوهري:

هل تستطيع الحكومات فعلًا التحكم في التكنولوجيا التي تعتمد عليها؟

2. تضارب المصالح بين الأمن القومي وحقوق الشركات:

الدول تريد نماذج قوية تخدم مصالحها الأمنية والعسكرية، بينما الشركات تضع خطوطًا حمراء أخلاقية أو سياسية.

هذا التضارب يخلق فراغًا في السيادة الرقمية في تناقضها مع السيادة الوطنية، حيث لا تكون الدولة ولا الشركة قادرة على فرض رؤيتها بالكامل.

3. تأثير القرارات الأميركية على الدول الأخرى:

بما أن انثروبيك شركة أميركية، فإن أي قيود تفرضها واشنطن على نماذجها، تنعكس تلقائيًا على الدول التي تعتمد على هذه النماذج في:

- التعليم.

- الأمن السيبراني.

- البنية التحتية الرقمية.

- التحول الحكومي الرقمي الذكي.

وبذلك يصبح القرار السيادي للدول مرتبطًا بشكل غير مباشر بقرارات سياسية داخل الولايات المتحدة.

4. إعادة تشكيل مفهوم السيادة في عصر الذكاء الاصطناعي:

فلقد توسع مفهوم السيادة في تصوري، فالسيادة لم تعد مرتبطة فقط بالحدود الجغرافية أو الموارد الطبيعية، بل أصبحت مرتبطة بـ:

- القدرة على الوصول إلى النماذج المتقدمة للذكاء الاصطناعي. والتكنولوجيا والتحكم فيها أو استخدمها دون الآخرين.

- التحكم في البيانات وقواعدها.

- امتلاك البنية التحتية للحوسبة.

- وضع قواعد استخدام الذكاء الاصطناعي.

إشكالية هذه الشركة تكشف أن الدول التي لا تمتلك نماذجها الخاصة ستظل رهينة لقرارات الشركات أو الحكومات الأجنبية الأخرى.

ثالثاً: ماذا يعني ذلك للدول العربية والإفريقية والعالم الثالث؟

1. الحاجة إلى بناء نماذج محلية أو إقليمية:

الاعتماد الكامل على شركات أميركية أو صينية يجعل القرار السيادي هشًا أمام أي تغيّر سياسي أو اقتصادي.

2. ضرورة وضع تشريعات واضحة:

تشريعات تحدد:

- ما هو مسموح للشركات.

- ما هو محظور.

- ما هي حدود استخدام الذكاء الاصطناعي في الأمن والدفاع.

3. إنشاء مراكز تقييم مستقلة:

حتى لا تعتمد الدول على تقييمات الشركات نفسها حول "سلامة" النماذج.

إشكالية هذه الشركة ليست حادثة معزولة، بل هي مؤشر على مرحلة جديدة من الصراع بين الدول والشركات التقنية العملاقة. في هذه المرحلة، يصبح الذكاء الاصطناعي مكوّنًا أساسيًا من مكونات السيادة الوطنية الرقمية كمفهوم جديد. ولذلك، فإن الدول التي لا تتحرك اليوم لبناء قدراتها الذاتية ستجد نفسها غدًا في موقع التابع، لا القائد. السودان ما زال بعيدًا حيث تستخدم تكنولوجيا المسيرات لقتل البشر ويحتاج لبنية رقمية وشبكة إنترنت من الجيل الخامس، وهذا لا يتم إلا بشراكة بين الدولة والقطاع الخاص وبعد فك الحظر الأمريكي على نظام البرهان وإيقاف هذه الحرب اللعينة.

 

ملحوظة:

سوف أحاول في هذه المساحة التطرق لقضايا التكنولوجيا من فترة لأخرى بحكم التخصص.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...