طاهر المعتصم

 

في الحملة الانتخابية للرئيس الأمريكي بيل كلينتون عام 1992، كتب مستشاره الاستراتيجي، جيمس كارفيل، على لوحة داخل مقر الحملة عبارة قصيرة تحولت لاحقًا إلى واحدة من أشهر العبارات السياسية: «إنه الاقتصاد، يا غبي». كان يريد تذكير فريق الحملة بأن الناخب، مهما انشغل بالسياسة والخطابات، سيعود في النهاية إلى جيبه، وأسعار السلع، وفرصة العمل، ومستوى معيشته.

في السودان اليوم، ربما تحتاج العبارة إلى تعديل بسيط: إنها الحرب والسياسة، والاقتصاد هو الفاتورة!

الجنيه السوداني يواصل انحداره، والدولار تعدى حاجز السبعة آلاف جنيه في السوق الموازية، بينما تتآكل القدرة الشرائية وتتسع دائرة الفقر. وفي كردفان والنيل الأزرق تستمر المعارك، وتواصل المحاور الإقليمية دعم أطراف الصراع، بما يطيل عمر الحرب، فيما لم تتراجع مشاريع وطموحات قوى سياسية وعسكرية وشبه عسكرية تسعى إلى تسيد المشهد وفرض شروطها على سودان ما بعد الحرب.

والأخطر أن الانقسام بدأ يتجاوز خطوط القتال إلى بناء واقع مؤسسي موازٍ. إعلان نتائج الشهادة السودانية في مناطق سيطرة الدعم السريع في دارفور ليس مجرد إجراء تعليمي؛ إنه مؤشر آخر على أن سلطات الأمر الواقع بدأت تمد جذورها إلى مؤسسات الدولة ووظائفها الأساسية. وعندما يصبح التعليم نفسه جزءًا من الانقسام، فإن خطر تفكك الدولة يصبح أكثر من مجرد احتمال على الخريطة.

ثم يعود الاقتصاد ليضع الجميع أمام المرآة. فعودة ملايين اللاجئين والنازحين، متى توافرت شروط الأمن، ستعني طلبًا هائلًا على السلع والخدمات والسكن والعمل، في اقتصاد أنهكته الحرب ودمّرت بنيته الإنتاجية. والموسم الزراعي يواجه بدوره مخاطر شح الأمطار وارتفاع تكاليف الإنتاج، بينما تبدو حكومة كامل إدريس عاجزة عن تقديم إجابات مقنعة لحجم الانهيار الاقتصادي والمعيشي.

في تقديري، ليست الأزمة الاقتصادية ملفًا منفصلًا عن الحرب، بل هي وجه آخر لها.

فكل يوم يستمر فيه القتال يضعف الإنتاج، ويستنزف الموارد، ويزيد كلفة الحياة، ويجعل مهمة التعافي أكثر صعوبة. وما لم تتوافر إرادة سودانية حقيقية للسلام، فإن الخسائر لن تتوقف عند حدود الميدان.

ولعل السؤال الذي ينبغي أن يشغل الجميع الآن ليس فقط: من سينتصر في الميدان؟ وإنما أي سودان سيبقى بعد أن تنتهي الحرب؟

أما جيمس كارفيل، فربما لو كان يراقب المشهد السوداني اليوم لأضاف إلى عبارته الشهيرة كلمة أخرى: السلام.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...