فؤاد حكمت
قد تأتي الهدنة الإنسانية المقبلة في السودان عاجلاً أم آجلاً، لكنها لن تصمد إذا اقتصرت على تعليق القتال مؤقتاً، فالـمطلوب هو أن تبدأ في تغيير الحسابات السياسية والعسكرية والاقتصادية التي أدّت مراراً إلى انهيار اتفاقات وقف إطلاق النار.
وأي ترتيب قابل للاستمرار ينبغي أن يحمي المدنيين، ويمنع إعادة التسلح وإعادة التموضع العسكري، وألا يتحول إلى وسيلة لتكريس الانقسام الإقليمي للبلاد، كما ينبغي أن يتعامل تدريجياً مع خطوط التماس، والانسحابات، ووصول المساعدات الإنسانية، والدعم العسكري الخارجي، والطائرات المسيّرة، وشرايين الاقتصاد، والأهم من ذلك، المسار السياسي الذي يلي الهدنة.
لكن محاولة حل كل هذه القضايا دفعة واحدة قد تجعل الاتفاق نفسه مستحيلاً، لذلك فإن الحل ليس تجاهل القضايا الصعبة، وإنما ترتيبها في مراحل متتابعة: ما يجب تنفيذه فوراً، وما يمكن الانتقال إليه بعد بناء حد أدنى من الثقة، ثم القضايا الأكثر حساسية التي ينبغي أن تقود من الهدنة الإنسانية إلى وقف أكثر تنظيماً للأعمال العدائية، ومنه إلى تسوية سياسية.
بمعنى آخر، ليس مطلوباً من الأطراف أن تحل حرب السودان قبل أن تتوقف عن القتال، لكن ينبغي أن يكون واضحاً منذ البداية إلى أين يفترض أن يقود هذا التوقف.
فرصة دولية
يوفر التقارب الأخير بين "الرباعية" و"الخماسية" فرصة مهمة، فقد جمع اجتماعهما المشترك في نيويورك أهم آليتين دوليتين معنيتين بالسودان، وربط بين العمل الإنساني، ووقف الأعمال العدائية، والمسار السياسي المدني.
وهذا التقارب يمكن أن ينقل الجهد الدولي من مبادرات إنسانية وعسكرية وسياسية منفصلة إلى مقاربة أكثر تكاملاً، بحيث تدعم كل مرحلة المرحلة التي تليها.
لكن تحويل هذا التقارب إلى اتفاق قابل للتنفيذ يتطلب تسلسلاً واضحاً.
المرحلة الأولى: حماية المدنيين وبناء الثقة
ينبغي أن يكون الهدف الأول محدوداً وعملياً: تخفيف معاناة المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وبناء قدر أولي من الثقة بين الطرفين.
يمكن أن تشمل هذه المرحلة تأمين الممرات الإنسانية، وحماية المدنيين والعاملين في المجال الإنساني، وتنظيم الإخطارات ومنع التضارب، والامتناع عن استهداف البنية التحتية المدنية الحيوية، إلى جانب إجراءات أولية للحد من الأعمال العسكرية التي قد تقوض الهدنة منذ بدايتها.
وهنا ينبغي أن يكون لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا" دور مركزي في تنسيق العمل الإنساني والتفاوض بشأن الوصول والإبلاغ عن العراقيل ومخاطر الحماية.
لكن من المهم ألا يتحول "أوتشا" إلى جهة لمراقبة وقف إطلاق النار عسكرياً، فمراقبة خطوط التماس، وتحركات القوات، والأسلحة الثقيلة، والطائرات المسيّرة والدعم العسكري الخارجي ينبغي أن تكون مسؤولية آلية مستقلة للمراقبة والتحقق.
وبذلك تقوم الهدنة منذ البداية على وظيفتين منفصلتين لكن مترابطتين: آلية إنسانية تقودها أو تنسقها "أوتشا"، وآلية مستقلة لمراقبة الالتزامات العسكرية.
ويمكن أيضاً استخدام قضايا مثل تبادل أسرى الحرب والمحتجزين المدنيين كإجراءات مبكرة لبناء الثقة، ورغم محدوديتها مقارنة بحجم الحرب، فإن نجاحها قد يبرهن على إمكانية تنفيذ التزامات متبادلة ويفتح الطريق أمام المرحلة التالية.
المرحلة الثانية: تثبيت التهدئة ومنع استغلالها عسكرياً
بعد بدء تنفيذ الترتيبات الإنسانية، يصبح السؤال الأكثر صعوبة هو: كيف يمكن منع أي من الطرفين من استغلال الهدنة لتحسين وضعه العسكري؟
أولى القضايا هي خطوط التماس، فالقوات المسلحة وقوات الدعم السريع تسيطران على مناطق مختلفة من السودان، وتجميد هذه المواقع من دون ضوابط قد يؤدي عملياً إلى تكريس واقع التقسيم الذي أفرزته الحرب.
لذلك ينبغي أن ينص الاتفاق بوضوح على أن أي خط تماس خاضع للمراقبة هو مؤقت ولأغراض عملياتية فقط، ولا يترتب عليه أي اعتراف بالسيادة أو الملكية الإقليمية أو بأي سلطة موازية.
وينبغي التعامل مع انسحاب قوات الدعم السريع من المدن بالمنطق نفسه، فبدلاً من جعل الانسحاب الشامل شرطاً سابقاً للهدنة، يمكن التمييز بين الانسحاب من المراكز المدنية والمناطق الحساسة، وبين إعادة الانتشار الأوسع التي يمكن التفاوض بشأنها لاحقاً.
ويمكن، على سبيل المثال، البدء بمناطق خالية من السلاح حول المدن الرئيسية، والمستشفيات، والممرات الإنسانية، على أن تأتي ترتيبات إعادة الانتشار الأوسع في مرحلة لاحقة.
المبدأ هنا بسيط: الاتفاق على القاعدة منذ البداية، والتنفيذ بصورة تدريجية.
وينطبق ذلك أيضاً على حركة القوات، فالحظر الكامل على أي حركة عسكرية سيكون غير واقعي، لكن السماح بالحركة من دون قيود قد يمكّن الطرفين من الاستعداد لجولة جديدة من الحرب، ولذلك ينبغي للاتفاق أن يمنع تعزيز الجبهات الهجومية، وحشد الأسلحة الثقيلة، وإنشاء مواقع هجومية جديدة، والدخول إلى المناطق منزوعة السلاح.
كما أن استخدام الطائرات المسيّرة جعل المراقبة التقليدية لخطوط الجبهة غير كافية، فالطرفان قد يلتزمان ظاهرياً بعدم تغيير مواقع القوات، بينما تستمر الحرب عبر الضربات بعيدة المدى، ولهذا ينبغي للهدنة أن تضع قيوداً واضحة على العمليات الهجومية بالطائرات المسيّرة، وعلى تحركات الأسلحة الثقيلة والأنظمة المستخدمة في العمليات الهجومية.
ويبقى الدعم العسكري الخارجي من أعقد القضايا، فالقوات المسلحة ستفرق بين تسليح مؤسسة الدولة وبين الدعم السري لقوات الدعم السريع، بينما لن تقبل الأخيرة بسهولة قيوداً لا تسري بالمثل على خصمها، لذلك ينبغي معالجة هذه القضية ضمن الترتيبات اللاحقة للهدنة، وبموافقة واضحة من الأطراف وبسند قانوني مناسب إذا كان المطلوب فرض قيود دولية ملزمة.
أما الاقتصاد، فلا ينبغي تحميل الهدنة مسؤولية حل اقتصاد الحرب بأكمله، لكن بعض المنشآت الحيوية، مثل خطوط النفط ومرافق الإنتاج والتصدير، تحتاج إلى حماية خاصة لأنها قد تصبح أداة للضغط أو سبباً لتجدد القتال.
المرحلة الثالثة: من الهدنة إلى وقف منظم وإلى السياسة
إذا خففت المرحلة الأولى معاناة المدنيين، ومنعت المرحلة الثانية استخدام الهدنة لتحقيق مكاسب عسكرية، يمكن الانتقال إلى وقف أكثر تنظيماً للأعمال العدائية.
وهنا يمكن التفاوض بصورة أكثر تفصيلاً حول إعادة الانتشار، والفصل بين القوات، والأسلحة الثقيلة، والدعم الخارجي، وآليات المراقبة والتحقيق في الانتهاكات.
وفي ظل غياب قوة حفظ سلام قادرة على مراقبة كامل مسرح العمليات، ينبغي أن تعتمد آلية التحقق على فرق اتصال، وقنوات مباشرة بين القادة، وتقارير متفق عليها، ومعلومات تقنية، وتحقيقات مشتركة، ودور لأطراف ثالثة.
لكن هذه المرحلة يجب ألا تبقى عسكرية فقط، فمن الضروري أن يبدأ الانتقال إلى السياسة.
فإذا لم يعرف الطرفان إلى أين تقود الهدنة سياسياً، فقد يفضّلان الاحتفاظ بأوراق القوة العسكرية بدلاً من الدخول في ترتيبات أكثر استدامة.
ستسعى القوات المسلحة إلى ضمان ألا يؤدي وقف القتال إلى إضعاف مؤسسات الدولة، بينما ستسعى قوات الدعم السريع إلى ألا تفقد كل نفوذها التفاوضي، وستخشى القوى المدنية من أن تتحول المفاوضات بين الطرفين المسلحين إلى تسوية عسكرية جديدة.
لذلك يجب أن يكون للهدنة أفق سياسي واضح، من دون أن تفرض مسبقاً شكل التسوية النهائية.
الحوار الداخلي والمسار الأوسع
في الوقت نفسه، يتطور داخل السودان مسار للحوار الوطني، ولا ينبغي النظر إليه بالضرورة كمنافس للعملية التي يدعمها المجتمع الدولي.
يمكن للحوار الداخلي أن يحدد القضايا الرئيسية، ويوسع دوائر المشاركة، ويولد مساحات من التوافق يمكن أن تغذي عملية سياسية أشمل.
لكن الخطر يكمن في تحوله إلى بديل حصري للمسار الأوسع، أو في تجاهل المجتمع الدولي له بالكامل، ففي هذه الحالة قد يجد السودان نفسه أمام عمليتين سياسيتين متنافستين، بالتوازي مع واقع عسكري منقسم.
المطلوب هو التقارب بين المسارات، لا التنافس بينها.
تغيير الحسابات
في النهاية، لن تنجح أي هندسة للهدنة إذا ظلت حسابات الأطراف كما هي.
فالاتفاقات لا تصمد بالنصوص وحدها، إذا اعتقد أي طرف أن العودة إلى الحرب تحقق له مكاسب أكبر، فإن الهدنة ستبقى مؤقتة مهما بلغت دقة صياغتها.
لذلك ينبغي الجمع بين الضغوط والحوافز، ويمكن أن تشمل الضغوط عقوبات مستهدفة، وقيوداً مالية، وإجراءات ضد شبكات الإمداد العسكري، بينما قد تشمل الحوافز انخراطاً دبلوماسياً تدريجياً، وتخفيفاً مناسباً للعقوبات، ودعماً لإعادة الإعمار، وضمانات مرتبطة بالالتزام والتحرك نحو عملية سياسية ذات مصداقية.
أما المساءلة القانونية، فينبغي أن تظل مساراً مستقلاً، لا ورقة تفاوض في اتفاق وقف إطلاق النار.
الاتفاق على الوجهة.. وترتيب الطريق إليها
لا ينبغي الحكم على الهدنة المقبلة فقط بعدد الأيام التي يتوقف فيها القتال.
الاختبار الحقيقي هو ما إذا كانت قادرة على نقل السودان من مرحلة إلى أخرى.
أولاً، حماية المدنيين وبناء الثقة.
ثانياً، تثبيت الوضع العسكري ومنع أي طرف من استغلال الهدنة لإعادة التسليح أو تحسين مواقعه.
ثالثاً، الانتقال إلى وقف منظم للأعمال العدائية ومسار سياسي يعالج القضايا التي لا تستطيع هدنة إنسانية مؤقتة حلها.
ليس من الضروري حسم كل شيء في الجولة الأولى من التفاوض، لكن ينبغي الاتفاق منذ البداية على الوجهة والمبادئ التي تحكم المراحل التالية، وعلى المعايير التي تسمح بالانتقال من مرحلة إلى أخرى.
فالهدف الأساسي هو ألا تصبح الهدنة أداة لتكريس تقسيم السودان، ولا مجرد استراحة عملياتية قبل جولة جديدة من الحرب.
إن التقارب بين "الرباعية" و"الخماسية" يوفر فرصة لتحقيق قدر أكبر من الاتساق الدولي، لكن قيمة هذا التقارب ستُقاس بقدرته على إنتاج ترتيب قابل للتنفيذ، يشعر المدنيون بنتائجه على الأرض، ويفتح الطريق أمام عملية سياسية سودانية قابلة للاستمرار.
فالتفاوض الحقيقي ليس فقط حول كيفية إسكات البنادق مؤقتاً.
بل حول كيفية ترتيب التدابير الإنسانية والأمنية والسياسية بحيث تجعل كل خطوة ناجحة الخطوة التالية ممكنة، إلى أن تصبح العودة إلى الحرب أقل جدوى من استمرار السلام.
فؤاد حكمت
دبلوماسي سابق بالاتحاد الأوروبي
خبير في إدارة النزاعات




التعليقات (0)
جاري التحميل...