ادفع بالتي هي أحسن
د. عبد المحمود أبو
الإنسان مخلوق من طين وفيه قبس من روح الله؛ ولهذا تتنازعه مطالب الروح ومطالب الجسد فتسبب له قلقًا وصفه الحقاني رحمه الله أبلغ وصف بقوله: "الإنسان حيثما عاش يتعرض لنزعات نفسية حتمية: يحزن فيَسْوَدُّ أفقه، ويكره فتضيق دنياه، ويفرح فيطيش صوابه، ويحب فيهيم هيامًا، وينسى واقعه فيعيش في الخيال، ويخلد إلى الواقع فيقتله الملل؛ وعلاجه في آية واحدة هي قوله تعالى: "لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ"، أي مطلوب من الإنسان أن يكون متوازنًا في حياته ومواقفه وتصرفاته ليكون على طريق الاستقامة.
لقد ركز الإسلام على أمر أهمله الناس وهو "التزكية". إن كل الحروب وآثارها ناتجة من غياب التزكية، وخلاصتها تنقية الداخل من الأمراض الحالقة: الغضب والحسد والحقد والتكبر والاستبداد والظلم والرياء... إلخ. فمن لم يتجرد من هذه العلل سيكون منظاره مختلًا؛ يرى الباطل حقًا، والمنكر معروفًا، والظلم شرفًا؛ ولأهمية إصلاح الداخل جعل الله سبحانه وتعالى التزكية إحدى الأركان الثلاثة للدعوة التي بعث الرسول صلى الله عليه وسلم لتبليغها، قال تعالى: "هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ". ولذلك حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على تزكية النفوس قبل توجيه أصحابها لنشر الدعوة.
لقد استمرت الفترة المكية ثلاثة عشر عامًا تركز على التزكية والإعداد للجيل الذي حمل الرسالة للعالمين؛ حيث غرس الرسول صلى الله عليه وسلم في نفوسهم الرحمة والسماحة والعفة وحب الخير للناس؛ وكانت توجيهاته للمستفسرين عن جوهر الدين بألا يغضبوا ولا يغدروا ولا يكذبوا ويكفوا أذاهم عن الناس ويصبروا على أذى الآخرين.
إن التزكية وحدها هي العاصمة للنفوس من الانسياق وراء خطاب الكراهية، فالتزكية تنقي النفوس وتحقق للإنسان سلامًا داخليًا وتصالحًا بين داخله ومظهره، وبالتالي يتجلى هذا السلام في سلوكه وأفعاله ومواقفه؛ لن ينصلح الحال مالم نبدأ بإصلاح الداخل، فهلا فعلنا ذلك؟ قال تعالى: "وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا".




التعليقات (0)
جاري التحميل...