الحرب تتسبب في فقدان 15 ألف محول كهربائي
خبير سدود: قطاع الكهرباء يواجه وضعًا كارثيًا
المفتي: معالجة هذه المشكلة تظل مرتبطة بوقف الهجمات التي تستهدف منشآت الكهرباء
تقرير: ناهد محمد
يُعد ملف الكهرباء من أكثر الملفات حساسية وخطورة، لما يمثله من ركيزة أساسية للتنمية الاقتصادية وإعادة الإعمار. وقد تعرض قطاع الكهرباء في السودان لدمار واسع منذ اندلاع الحرب، أسفر عن فقدان أكثر من 37% من الطاقة المولدة، وتخريب ما يقارب 150 ألف كيلومتر من خطوط النقل، فضلاً عن فقدان نحو 15 ألف محول كهربائي جرى نهبها أو تدميرها بالكامل. كما دُمر نحو 60% من البنية التحتية للقطاع، وقدرت وزارة الطاقة خسائره بنحو 9 مليارات دولار.
وتشير تقديرات أخرى إلى أن البلاد فقدت ما يقارب 70% من قدرتها الإنتاجية الإجمالية، ولم يتبقَّ فعليًا سوى نحو 1250 ميغاواط، أي أقل من نصف الاحتياج الفعلي للسودانيين. وفي الآونة الأخيرة، تكررت قطوعات الكهرباء بصورة لافتة، بالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة وزيادة أسعار الثلج، ما فاقم معاناة المواطنين.
انهيار البنية التحتية
يرى المهندس أبو بكر مصطفى، استشاري وخبير السدود والبنية التحتية، أن قطاع الكهرباء وصل إلى مرحلة كارثية نتيجة الانهيار شبه الكامل للبنية التحتية، في ظل غياب التخطيط وعدم توفر الاحتياطات والبدائل.
وقال في حديثه لـ«صوت الأمة» إن اعتماد السودان على مصدر رئيس للطاقة جعل المنظومة الكهربائية شديدة الهشاشة، موضحًا أن تعطل هذا المصدر يقود مباشرة إلى عجز واسع في تقديم الخدمة، وهو ما تعكسه الأزمة الحالية.
وأضاف أن معظم محطات التوليد الغازي والحراري، بما فيها محطات الجيلي وقري وبحري الحرارية، خرجت عن الخدمة، إلى جانب محطة التوليد الرئيسة في سد مروي، بينما تعمل المحطات المساندة في الروصيرص والدمازين بكفاءة محدودة لا تلبي احتياجات البلاد من الكهرباء.
وأوضح أن الحرب لم تقتصر آثارها على تدمير البنية التحتية، بل امتدت إلى تشريد السكان، وإضعاف مؤسسات الدولة، وغياب التخطيط، وتراجع الإمكانات المالية والاستثمارية اللازمة لإعادة التأهيل. وحذر من استمرار هذا الوضع، داعيًا إلى تدارك الأزمة قبل تفاقمها.
وضع كارثي
ويتفق مع هذا الطرح خبير السدود الدكتور أحمد المفتي، الذي قال إن خروج كهرباء سد مروي عن الخدمة تكرر في مناسبات عدة نتيجة استهدافه بالطائرات المسيّرة، معتبرًا أن معالجة هذه المشكلة تظل مرتبطة بوقف الهجمات التي تستهدف منشآت الكهرباء.
وفي ما يتعلق بالحريق الأخير الذي اندلع في سد مروي، قال المفتي إن الحكومة لم تعلن حتى الآن أسبابه، واعتبر ذلك تقصيرًا، لأن من حق المواطنين معرفة حقيقة ما جرى، مضيفًا أنه يصعب وضع خارطة طريق لمعالجة الأزمة في ظل استمرار الظروف الحالية.
حريق محدود
وكانت وزارة الطاقة قد أعلنت، في بيان، خروج محطة كهرباء سد مروي عن الخدمة بسبب اندلاع حريق محدود في أحد كوابل محطة التوليد، الأمر الذي أدى إلى تأثر الإمداد الكهربائي في ولايات الخرطوم، ونهر النيل، والشمالية، والبحر الأحمر

الوجع الحقيقي
ترى الإعلامية واصلة عباس أن الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي في السودان لم يعد مجرد أزمة خدمية، بل أصبح معاناة يومية تمس مختلف جوانب الحياة، مؤكدة أن الكهرباء تحولت إلى شريان أساسي تعتمد عليه المستشفيات والمنازل، وخدمات المياه والصحة والتعليم، فضلاً عن احتياجات الأطفال وكبار السن والمرضى.
وقالت، في حديثها لـ«أصداء سودانية»، إن الحرائق التي شهدتها مدينة بورتسودان خلال أسبوع واحد تثير تساؤلات حول كفاءة منظومة السلامة والوقاية في منشآت الكهرباء، وتفرض ضرورة مراجعة إجراءات الحماية لمنع تكرار مثل هذه الحوادث.
وأضافت أن تحقيق الاستقرار في الإمداد الكهربائي يتطلب تبني وزارة الطاقة حلولًا وتقنيات حديثة، تشمل تحديث شبكات الحماية باستخدام المرحلات الرقمية الذكية، وأنظمة التحكم الآلي القادرة على مراقبة أداء المحطات والتنبؤ بالأعطال، إلى جانب تركيب أنظمة إطفاء ذاتية متطورة وفواصل عازلة تحول دون امتداد الحرائق إلى المحولات الرئيسية.
وأوضحت أن المرحلة الحالية تستدعي كذلك تطبيق برامج الصيانة الوقائية والتنبؤية، من خلال الفحص الحراري المستمر وتحليل زيوت المحولات للكشف المبكر عن الأعطال، بالتوازي مع تأمين خطوط النقل وتفعيل أنظمة إعادة التوصيل التلقائي. وشددت على أن الالتزام بمعايير السلامة المهنية وتأهيل الكوادر البشرية يمثلان حجر الأساس في الحد من الخسائر، معتبرة أن الاستثمار في أنظمة الحماية الحديثة أقل كلفة بكثير من الخسائر الاقتصادية والإنسانية الناجمة عن تكرار الحرائق والانقطاعات.
القطاع المصرفي
من جانبه، كشف الخبير المصرفي وليد دليل أن العجز في إنتاج الكهرباء بلغ نحو 3300 ميغاواط نتيجة توقف معظم محطات التوليد الرئيسية، وهو ما أدى إلى انقطاعات تمتد في بعض الولايات إلى نحو عشرين ساعة يوميًا، بالتزامن مع موجة حر تجاوزت فيها درجات الحرارة 44 درجة مئوية.
وأوضح أن هذا الانهيار يتزامن مع أكبر موجة عودة للسكان منذ اندلاع الحرب، إذ استقبلت ولاية الخرطوم وحدها ما بين 1.8 و2.1 مليون عائد، أي ما يعادل نحو 40 إلى 48% من إجمالي العائدين في البلاد. إلا أن هؤلاء، بحسب قوله، عادوا إلى مدينة ما تزال منهكة، بعدما تعرض نحو 70% من منازلها لدمار كلي أو جزئي، في وقت تعاني فيه شبكات المياه والكهرباء والخدمات الصحية والتعليمية من تدهور كبير.
وأضاف أن زيادة أعداد العائدين رفعت الضغط على المحولات المتبقية، في وقت يواجه فيه مهندسو الكهرباء صعوبات في توصيل أحياء جديدة بسبب نقص المحولات ومستلزمات التشغيل، الأمر الذي أدى إلى اتساع رقعة الانقطاعات بدلًا من انحسارها.
وأشار دليل إلى أن الأزمة تجاوزت قطاع الطاقة لتلقي بظلالها على الاقتصاد ككل، إذ تضطر الأسر العائدة إلى الاعتماد على المولدات الصغيرة أو أنظمة الطاقة الشمسية لتغطية احتياجاتها الأساسية، ما يستنزف دخولها المحدودة، بينما تواجه الورش والمنشآت الصغيرة أعباء إضافية تعيق استئناف النشاط الاقتصادي. واستشهد بمبادرة سكان جزيرة توتي الذين موّلوا مشروعًا للطاقة الشمسية لتشغيل محطات المياه، معتبرًا أن ذلك يعكس لجوء المواطنين إلى تعويض غياب الخدمات الحكومية بمواردهم الذاتية، وهو حل يصعب استدامته على المدى الطويل.
وأضاف أن القطاع المصرفي بدوره يتأثر بشكل مباشر بانقطاع الكهرباء، إذ يرتبط استقرار الخدمات المصرفية الإلكترونية وأجهزة الصراف الآلي باستقرار الإمداد الكهربائي، محذرًا من أن استمرار الأزمة سيؤخر عودة النشاط الاقتصادي والمصرفي إلى المناطق التي تشهد عودة للسكان. كما لفت إلى أن ضعف تمويل برامج العودة والنزوح يزيد من اتساع الفجوة بين احتياجات المواطنين وقدرة الدولة والمنظمات الدولية على توفير الخدمات الأساسية.
بيان وزارة الطاقة
أعلنت وزارة الطاقة، في ثالث بياناتها منذ خروج محطة كهرباء سد مروي عن الخدمة، نجاحها في توفير تغذيات كهربائية بديلة أسهمت في إعادة الإمداد إلى عدد من المرافق الاستراتيجية والأحياء السكنية بولاية الخرطوم، في إطار الجهود الرامية إلى الحد من آثار الانقطاعات الواسعة.
وأوضحت الوزارة أن عشرة محطات مياه عادت إلى الخدمة وتعمل على مدار الساعة، من بينها محطات مياه صالحة، وبيت المال، وبحري، إلى جانب محطات أخرى، بما يسهم في تحسين إمدادات المياه بالمناطق المستفيدة.
كما أعلنت إعادة التيار الكهربائي إلى 15 مستشفى ومركزًا صحيًا تعمل على مدار 24 ساعة، من بينها مستشفيات أم درمان، والنو، والبلك، وسوبا، والأكاديمي، والتركي، وأحمد قاسم، وبحري، وبشائر، والسلاح الطبي، وشرق النيل، وعلياء، والراقي، ومستشفى أم درمان للولادة، إلى جانب مركز زينب لغسيل الكلى.
وأضافت الوزارة أن الإمداد الكهربائي عاد إلى أجزاء واسعة من عدد من الأحياء والمناطق السكنية، شملت جبل أولياء، والكلاكلة، وصالحة، وأبو سعد، وأمبدة، والثورة، وأركويت، والريف الشمالي، والجيلي، وود رملي، وأوسي، والامتداد، والجريف غرب، والديم، والصحافة، وعد بابكر، والحاج يوسف، مؤكدة استمرار عمليات إعادة التيار إلى بقية الأحياء والولايات المتأثرة.
بين جهود الإصلاح ومعاناة المواطنين
ورغم الجهود التي تبذلها وزارة الطاقة لإعادة تأهيل ما دمرته الحرب، واستمرار العمل على معالجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية جراء استهداف المرافق الحيوية، لا تزال أزمة الكهرباء تلقي بظلالها على حياة المواطنين.
ويجد السودانيون أنفسهم يوميًا بين وطأة الانقطاع الطويل للتيار الكهربائي وارتفاع درجات الحرارة، إذ تمتد ساعات القطوعات في بعض المناطق إلى نحو عشرين ساعة يوميًا، الأمر الذي يضاعف معاناة الأسر، ويزيد الضغوط على القطاعات الصحية والخدمية والاقتصادية، في انتظار حلول أكثر استدامة تعيد الاستقرار إلى أحد أهم المرافق الحيوية في البلاد.



التعليقات (0)
جاري التحميل...