محمد الأمين عبد النبي
تعد الديمقراطية التوافقية أحد نماذج إدارة المجتمعات المتعددة، لأنها تقوم على المشاركة الحقيقية وبناء قواعد لإدارة الاختلاف. غير أن التوافق لا يعني المحاصصة، فجوهره بناء عقد اجتماعي يحدد طبيعة الدولة.
يحتاج السودان، أكثر من أي وقت مضى، إلى هذا النوع من التوافق. فقد عرف تاريخه الحديث اتفاقات ومبادرات عديدة، منذ التوافق على الاستقلال وثورة أكتوبر ومؤتمر المائدة المستديرة، مرورًا بانتفاضة أبريل، وإعلان كوكادام، واتفاق القصر، واتفاقية السلام الشامل، واتفاق أبوجا، واتفاق الشرق، والوثيقة الدستورية، واتفاق جوبا، والاتفاق الإطاري. وبالرغم من أهمية هذه المحطات، إلا إنها لم تنجح في بناء توافق وطني مستدام.
تعود المشكلة إلى أسباب متعددة؛ فقد كانت بعض الاتفاقات محدودة التمثيل، وقامت أخرى على توازنات مؤقتة، بينما افتقدت أغلبها الإرادة السياسية اللازمة للتنفيذ. كما أن معظمها عالج الأزمة باعتبارها صراعًا على السلطة، دون الاقتراب الكافي من جذورها المتعلقة بطبيعة الدولة، واختلال العلاقة بين المركز والهامش، وتداخل العسكري بالسياسي. وفي حالات أخرى، جرى منح القوى المسلحة وزنًا سياسيًا يفوق وزنها الاجتماعي، فأصبحت البندقية طريقًا إلى السلطة.
تؤكد التجربة السودانية أن الاتفاق الذي لا يجد قاعدة شعبية، ولا يستند إلى مؤسسات دستورية وآليات واضحة للتنفيذ، يظل قابلًا للانهيار. كما أن التوافق لا يلغي التنافس، وإنما يعني الاتفاق على قواعد إدارة الاختلاف، وعلى حقوق المواطنة وشكل الدولة.
من هذه الزاوية، فإن الحرب الحالية لا يمكن أن تنتهي باتفاق ثنائي بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع وحدهما. فالاتفاق بين المتحاربين قد يكون ضروريًا لوقف القتال وحماية المدنيين، لكنه لا يمنح طرفي الحرب تفويضًا حصريًا لتقرير مستقبل السودان. إن تحويلهما إلى صاحبي القرار الوحيدين يعني مكافأة القوة المسلحة، وإعادة إنتاج شرعية الأمر الواقع، وإقصاء المجتمع الذي دفع الثمن الأكبر للحرب.
المطلوب هو الفصل بين الاتفاق العسكري والتوافق السياسي. فوقف إطلاق النار ينبغي أن يكون مدخلًا لإنهاء الحرب، وبعده يجب إطلاق عملية سياسية سودانية واسعة، تضم كل قوى الثورة الرافضة للحرب. وينبغي أن تستند المشاركة إلى معايير واضحة، تستبعد من تثبت مسؤوليته عن الجرائم والانتهاكات أو تقويض التحول الديمقراطي.
وتتطلب هذه المرحلة أيضًا قاعدة شعبية واسعة تمنح التوافق شرعيته، ومؤسسات مستقلة تراقب التنفيذ، وضمانات تمنع الانقلاب عليه.
يحتاج السودان إلى عقد اجتماعي جديد يعيد بناء الدولة على المواطنة المتساوية، ويعالج اختلالات التنمية، ويفكك اقتصاد الحرب، وينظم العلاقة بين المدني والعسكري. كما يتطلب إخضاع القوات النظامية للسلطة المدنية الدستورية، ومنع استمرار السلاح كوسيلة للنفوذ السياسي.
توفر الديمقراطية التوافقية إطارًا للمرحلة التأسيسية، شرط ألا تتحول إلى محاصصة. فالتوافق المطلوب هو توافق على قواعد الدولة والحقوق والواجبات، لا صفقة لتوزيع الغنائم.
في النهاية، يواجه السودان مشروعين: مشروعًا يعيد إنتاج الدولة لصالح من يملك القوة، ومشروعًا يؤسس دولة المواطنة. وأي اتفاق يعيد إنتاج شرعية الأمر الواقع سيكون هدنة مؤجلة الانفجار. أما التوافق الحقيقي، فهو الذي يجعل الشعب مصدر الشرعية، والدستور مرجع السلطة، والمؤسسات حارسة للدولة، والسلاح خاضعًا للقانون. وهنا يبدأ الطريق إلى سلام دائم، وديمقراطية مستقرة، ودولة تكون ملكًا لشعبها.




التعليقات (0)
جاري التحميل...