محمد الأمين عبد النبي

 

انطلقت جولة أديس أبابا الأخيرة من مفارقة واضحة؛ فبينما تحركت الآلية الخماسية بمقاربة استكشافية لاستجلاء مواقف الكتل الرئيسية (صمود، تأسيس، والكتلة الديمقراطية) بشأن تشكيل اللجنة التحضيرية، اصطدمت هذه الجهود بأخطاء هيكلية في الترتيب والإعداد المسبق. فقد تبنت الآلية استراتيجية قاصرة عن استيعاب تعقيدات المشهد السوداني واستقطاباته، الأمر الذي أدى إلى تباعد المواقف وعجز الميسرين عن توفير شروط بناء الثقة، لينتهي مسارها إلى تعثر إجرائي حال دون انعقاد الجلسة الافتتاحية أو جمع الفرقاء داخل قاعة واحدة.

وفي مقابل هذا العثر الذي واجهته الخماسية، انطلقت ديناميكية سودانية قادتها القوى المدنية لإنقاذ المسار من الانهيار الكامل. فقد نجحت هذه القوى في إدارة حوار داخلي اتسم بالمسؤولية والجدية، وصاغت موقفاً مشتركاً حدد معالم رؤيتها بشأن اللجنة التحضيرية، وأهداف العملية السياسية، والأسس التي ينبغي أن تقوم عليها؛ باستثناء تحالف "تأسيس" الذي آثر التمايز بتقديم رؤية منفردة للآلية الخماسية.

وتتجلى القيمة الاستراتيجية لهذا الاختراق في الورقة الموحدة التي أُنتجت بإرادة وطنية جسّرت الفجوة بين طيف واسع يضم تحالف صمود، والكتلة الديمقراطية، وحزب البعث الأصل، وحزب الأمة بقيادة مبارك الفاضل، والمؤتمر الشعبي، إلى جانب مجموعات مدنية ونسوية وشبابية. ويُمثل هذا التوافق لبنة مهمة في مسار التقارب المدني، ويبرهن عملياً على أن الخروج من نفق الأزمة يظل رهناً بأولوية الحلول الوطنية والقدرة على البناء على القواسم المشتركة.

 

لقد كسر اجتماع أديس أبابا جمود القطيعة، وأثبت قدرة الفرقاء على الجلوس معاً وإدارة نقاشات بناءة. كما أكد هذا التقارب أن المائدة المستديرة تظل المنصة الأكثر قدرة على استيعاب التنوع وإعادة هندسة المشهد السياسي بروح توافقية.

ورغم الأهمية البالغة لهذا التقارب المدني، فإن استكمال المسار يتطلب من الآلية الخماسية التعامل بوضوح وشفافية أكبر بعيداً عن التعقيدات البيروقراطية، مع الالتزام باستحقاقات عملية سياسية منتجة.

وعلى الرغم من تباين الرؤى بشأن الجوانب الإجرائية للعملية السياسية، فإن ثمة قضية محورية شكّلت القاسم المشترك الأوضح بين جميع القوى المشاركة، سواء وردت نصاً في الأوراق المقدمة أم ظلت حاضرة كمرجعية سياسية حاكمة للمواقف، وهي ضرورة استبعاد المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية وواجهاتهما من أي عملية سياسية. فهذه المسألة لم تعد موضع خلاف أو مجالاً للمساومة السياسية، وإنما تمثل أحد الاستحقاقات الجوهرية للسلام المستدام والتحول الديمقراطي، انطلاقاً من المسؤولية التي تتحملها منظومة الإسلام السياسي عن تقويض النظام الدستوري، وإضعاف مؤسسات الدولة، وتغذية النزاعات والحروب التي قادت البلاد إلى أزماتها المتراكمة. وبالتالي، فإن أي عملية سياسية جادة تستهدف بناء دولة المواطنة وسيادة القانون لا يمكن أن تُبنى على إعادة إنتاج القوى التي ارتبط مشروعها السياسي بالانهيار الوطني، وإنما على القطيعة مع هذا الإرث وتهيئة المناخ أمام انتقال ديمقراطي حقيقي يؤسس لعقد اجتماعي جديد.

أن تحويل التقارب الأولي إلى واقع سياسي ملموس يستدعي إرادة وطنية صلبة تترجم النقاشات إلى خطوات عملية، وتضمن التزام الأطراف كافة بتقديم التنازلات الضرورية للوصول إلى حل سياسي ينهي الأزمة ويحقق تطلعات الشعب.

 

وفي السياق ذاته، يعكس البيان المشترك الصادر عن القوى الكبرى والمنظمات الدولية والإقليمية تحولاً استراتيجياً نحو صياغة موقف دولي موحد ومتناغم للتعامل مع الأزمة السودانية، يقوم على التلازم بين الإغاثة الإنسانية العاجلة والمسار السياسي المستدام. ويتجلى هذا التقارب الإقليمي والدولي في تبني خارطة طريق مشتركة تدعم عملية حوار سوداني برعاية الآلية الخماسية، وهو ما يمثل اعترافاً دولياً صريحاً بأهمية ومحورية ما أُنجز مؤخراً في أديس أبابا باعتباره خطوة أساسية نحو بناء التقارب المدني وتفكيك العقد السياسية.

كما يبعث هذا الموقف الموحد برسالة حاسمة تقطع الطريق أمام أي محاولات لإقصاء القوى المدنية أو تمكين الجماعات المتطرفة، مع التلويح باتخاذ إجراءات ضد معرقلي الانتقال الديمقراطي، تأكيداً على أن مستقبل السودان يجب أن يصنعه السودانيون أنفسهم، دون وصاية أو إملاءات خارجية.

إن هذا التوجه يضع الأطراف كافة أمام اختبار تاريخي يستدعي استجابة عاجلة وقرارات شجاعة، محكومة بإرادة وطنية تُعلي من قيمة إنقاذ حياة السودانيين وتضع مصلحة الوطن فوق أي مكاسب ضيقة. فالسودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الاستقطاب، بقدر ما يحتاج إلى توافق واسع يفتح الطريق أمام سلام مستدام، ويُنهي هذه المحنة الكارثية التي أنهكت الدولة والمجتمع على حدٍّ سواء.

 

 

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...