الزبير محمد علي

تناولنا في المقال الأول، الدعاء باعتباره العبادة وملاذ الخلق إلى اللهِ تعالى في كلِّ حين، وبخاصة في أوقات الفتن والكروب. واستعرضنا فقه أدعية الأنبياء كـ: آدم، ونوح، وإبراهيم، وأيوب، وزكريا، ويونس، وموسى عليهم السلام.

واستخرجنا من هذا الفقه دروسًا بليغة منها: أن أمر الله بين الكاف والنون، وأن الكرب مهما اشتد فإن الفرج يعقبه لا محالة، مما يوجب الإلحاح في الدعاء وعدم اليأس أو الاستعجال، مع ضرورة التوبة الجماعية وإصلاح ما بالأنفس كشرط إلهي لتبدل الأحوال من الشدة إلى التمكين والاستقرار.

وإذا أسقطنا هذا الفقه على واقعنا، فإن ما يشهده بلدنا اليوم من كرب عظيم، وحرب ضروس سفكت الدماء، وشتتت الشمل، وهجّرت العائلات، وأذاقت العزيز ذل الحاجة، يضعنا جميعًا أمام مسؤولية عظيمة؛ فإن الأزمات الكبرى لا تُحل بالشعارات ولا الأماني ولا بمجرد الدعاء غير المصحوب بالإصلاح؛ بل بالتحول نحو الإصلاح الشامل الذي يعالج الواقع وتعود بعده حياة الناس إلى الأفضل.

وهذا الإصلاح كما نراه يجب أن يُوزع على جميع مكونات المجتمع: فالحاكم والسياسي مطالبان بأن يكونا راشدين في الحكم والسياسة، لإدارة البلاد بنزاهة وبصيرة تغلّب المصلحة العامة على الخاصة.

والعسكري يقع على عاتقه أمانة دماء العباد وحفظ الأنفس، وهي مسؤولية عظمى أمام الله والناس.

والتاجر مأمور بأن يتقي الله تعالى في أقوات الناس وكسبه، ممتنعًا عن الاحتكار أو الجشع في الأوقات كافة وخاصة في زمن المسغبة.

والموظف مطالب بالإخلاص التام في أداء أمانته الوظيفية لخدمة مجتمعه.

والإعلامي مأمور بالرشد في كلمته ورسالته، متقيًا الله في عمله، مبتعدًا عن تزيين الباطل أو دعم الظلم أو إذكاء نار الفتنة وتعميق الخلاف، وداعيًا إلى العدل والخير وتأليف القلوب ورأب الصدع.

وقادة الإدارة الأهلية يقع على عاتقهم واجب السعي الجاد لإصلاح ذات البين، وجمع الكلمة، وإخماد نيران الفتن القبلية والمجتمعية، وتوظيف مكانتهم الاجتماعية في تأليف القلوب بين أبناء الوطن الواحد.

إن كلَّ فرد فينا ثغرة في جدار هذا البلد، وكلَّ ذنب مستتر أو مُعلَن قد يكون سببًا خفيًا في طول أمد البلاء؛ ولذلك فإن العبور نحو بر الأمان يُوجِب علينا فتح صفحة جديدة مع اللهِ تعالى، أولاً بالندم والرجوع إليه سبحانه، ومع العباد ثانيًا بإعطاء الحقوق والتحلل من المظالم، وثالثًا بالرغبة والسعي لفتح صفحة جديدة خالية من مظالم وعيوب الماضي.

إن الإنابة الجماعية إلى اللهِ تعالى والإصلاح الشامل لواقعنا، بما في ذلك إصلاح الضمائر، هو بوابة العبور نحو مستقبل آمن نرجوه للبلاد والعباد.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...