الزبير محمد علي
الدعاء هو العبادة، وسُمي عبادة لأن العبد يظهر فيه ضعفه واحتياجه لله تعالى، وخضوعه وتذلله إليه، وفقره إلى رحمة مولاه. وتزداد أهمية الدعاء في أوقات الكروب الشديدة والفتن العظيمة حيث تضيق السبل، وتنقطع الأسباب الأرضية، ولا يبقى للعباد في مواجهة الواقع المظلم إلا حبل الله المتين فيتضرعون إليه طلبًا للتسديد والحفظ، وبحثًا عن الأمن والأمان، والهداية إلى الرشد والاستقامة.
والمتدبر في القصص القرآني، يجد أن الدعاء والتضرع هما سبيلا الرسل والأنبياء عليهم السلام عند نزول الشدائد والمحن:
فآدم وحواء عليهما السلام حين ضاقت بهما السبل، بعد المعصية، فزعا إلى اللهِ تعالى واعترفا بالمعصية فجاءت الاستجابة من الله تعالى توبة وهداية واجتباءً.
ونوح عليه السلام بعد قرون من التكذيب والاستضعاف لجأ إلى الله تعالى "فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ"(القمر:10)، فكانت النتيجة معجزة كونية: انهمرت السماء بالماء وتفجّرت الأرض عيونًا فالتقى الماء على أمرٍ قد قُدِر، وكانت النجاة حليفه والمؤمنون، وكان الغرق مصير الظالمين.
وإبراهيم عليه السلام وقد ترك ذريته بواد غير ذي زرع، لم يدفعه القحط والجدب إلى اليأس بل رفع يديه بالدعاء ليتبدَّل الخوف والجدب أمنًا ورخاءً وفيرًا تلتف حوله أفئدة الناس.
وأيوب عليه السلام بعد سنوات من المرض وفقد المال والولد، نادى ربه مُتضرعًا فكشف اللهُ تعالى ما به من ضُرٍّ وأتاه أهله ومثلهم معهم.
وزكريا بالرغم من الشيب وعقم الزوجة، لم يمل الدعاء فأصلح الله تعالى له زوجه ووهبه يحيى عليهما السلام.
إن فقه أدعية الأنبياء يمنحنا دروسًا بليغة منها أن أمر الله سبحانه وتعالى واقع بين الكاف والنون؛ فمَن أخرج يونس من بطن الحوت في ظلمات ثلاث، وحفظ موسى في البحر من طغيان فرعون، قادر وبلا شك على أن يطفئ نار الفتنة والحرب بكلمة كن فيكون، فلا مكان لليأس من روح الله "... إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ"(يوسف:87).
ويعلمنا هذا الفقه ضرورة الإلحاح في الدعاء لبلدنا بالأمن، وحقن الدماء، وعودة النازحين، وشبع الجائع، ومداواة الجريح، وعودة الأسير مع عدم استعجال الإجابة؛ فالفرج قد يتأخر لحكمة كما حدث مع موسى عليه السلام، ولعل الله يدخر فرجًا عظيمًا ينسي سنوات العسر. كما لا ينبغي أن يمنعنا التقصير في الطاعات عن الدعاء، فالله استجاب لإبليس حين دعاه، فكيف لا يستجيب لأمة محمد ﷺ وهي تستغيث لأجل دماء تسفك وأعراض تنتهك؟
لكن هذا التضرع يتطلب توبة واستغفارًا؛ فما نزل بلاء إلا بذنب، والإصلاح يبدأ من إصلاح ما بالأنفس "إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ"(الرعد:11)، وهو ما يوجب علينا المراجعة الشاملة لمسارنا الوطني لنعالج القصور ونتحلل من المظالم ونبدأ صفحة جديدة خالية من عيوب الماضي؛ فالاستغفار ليس حركة ألسنة، بل إصلاحًا يبدأ من الضمائر وينتهي بصلاح المجتمعات ليكون مفتاحًا لفرج قريب.
ويبقى ختامًا أن نعلم أن الكرب يعقبه الفرج، وأن العسر يعقبه اليسر، وأن السودان الجريح بأرضه الطيبة وشعبه الكريم، سيعود بإذن الله واحة للأمن والرخاء، وتتبدل الشدة تمكينًا واستقرارًا كما حدث لألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية.




التعليقات (0)
جاري التحميل...