طاهر المعتصم
أحياناً لا تحتاج الدول إلى بيان سياسي طويل كي تقول ما تريد. تكفي تأشيرة دخول معلّقة حتى تتحول الورقة القنصلية إلى رسالة سياسية. وهذا تحديداً ما يجعل أزمة تأشيرة الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى نيويورك أخطر من مجرد خلاف إجرائي.
بحسب مصدرين تحدثا إلى رويترز، فإن امتناع الولايات المتحدة عن إصدار التأشيرة، قبل أيام من كلمة البرهان أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، يبدو مرتبطاً بموقفه من مقترح وقف إطلاق النار لمدة تسعين يوماً، الذي طرحه المبعوث الأمريكي مسعد بولس. ولم تؤكد واشنطن أو الخرطوم هذا الربط رسمياً، لكن طلب السودان تدخل الأمين العام للأمم المتحدة، وقلق الأمانة العامة، يكشفان أن المسألة تجاوزت حدود المعاملة القنصلية.
المشهد يعيد إلى الذاكرة واقعة عمر البشير في سبتمبر 2013، عندما لم تمنحه واشنطن تأشيرة المشاركة في اجتماعات الجمعية العامة، في ظل الصراع المتصاعد حول مذكرة توقيف المحكمة الجنائية الدولية. يومها كانت التأشيرة واحدة من أدوات العزلة التي عاشها نظام البشير، قبل أن تتحول تلك العزلة إلى مأزق سياسي واقتصادي طويل.
البشير لم يكن يواجه العالم فقط، بل جعل السودان نفسه، في نهاية المطاف، يدفع ثمناً باهظاً لبقائه في السلطة. العقوبات والعزلة الدولية لم تكونا وحدهما سبب سقوط نظامه، لكنهما كانتا جزءاً من بيئة سياسية واقتصادية خانقة أضعفت خيارات النظام، فيما ظل الرجل يدير الدولة بعقلية الحصار والخوف من الاعتقال، إلى أن انفجرت ثورة ديسمبر وأطاحت به في أبريل 2019. وظل البشير مطلوباً للمحكمة الجنائية الدولية على خلفية اتهامات بجرائم في دارفور.
واليوم، يبدو أن التاريخ يطرق الباب من جديد، لكن في ظروف أشد قسوة. البرهان يرفض، كما قال، أن تُكتب ترتيبات الحرب خارج السودان، بينما تضغط واشنطن باتجاه وقف القتال. وبين الموقفين يقف بلد يتآكل اقتصادياً وإنسانياً، وتتمدد فيه الحرب عاماً بعد عام.
وفي الجهة الأخرى تأتي عبارة حميدتي: "الكلام كلام البندقية بعد الآن". إنها ليست مجرد جملة في خطاب عسكري؛ إنها تختصر مأزق السودان كله: طرفان يتحدثان بلغة القوة، فيما العالم يتحدث بلغة الهدنة والضغط الدبلوماسي والعقوبات.
السؤال الأخطر: هل يتعلم السودان من درس البشير، أم أن قادته يريدون دفع البلاد مرة أخرى إلى أن تصبح رهينة لصراع القادة، ثم يكتشفوا متأخرين أن العزلة الدولية لا تعاقب الحاكم وحده، بل تترك آثارها على الدولة والمجتمع؟
التأشيرة قد تكون ورقة. لكن خلف الورقة رسالة أثقل: مساحة المناورة تضيق، والبندقية التي قيل إنها تملك الكلمة قد تكتشف أن الكلمة الأخيرة في الحرب لا تُكتب دائماً في الميدان.




التعليقات (0)
جاري التحميل...