أبوهريرة زين العابدين عبد الحليم

كلُّ سوداني يعيش على حدِّ سكين التشرد والفقر والغلاء، بينما البلاد تغرق في صمت سياسي أثقل من هدير المدافع. ومع ذلك، في مكانٍ ما خلف خطوط النار وتحت الطاولة، جلس ممثلو الجيش والدعم السريع في أزمنة مختلفة حول طاولة واحدة وعبر لجنتين، يتبادلون قوائم الأسرى، ويوقّعون على ترتيبات عبور نفط جنوب السودان، ويتناقشون في تفاصيل الرواتب المتأخرة لجنودٍ أُرسِلوا يومًا إلى حربٍ بعيدة في اليمن.

هذه الوقائع لم تأتِ من فراغ؛ فقد نقلت الأمم المتحدة عبر مبعوثها الخاص للسودان إشارات واضحة إلى اجتماعات لتنسيق تبادل الأسرى، وأكدت "رويترز" و"فرانس برس" وجود "تفاهمات إنسانية محدودة" بين الطرفين، بينما وثّقت "سودان تريبيون" و"راديو دبنقا"، عمليات تبادل تمت بالفعل. وفي ملف النفط، تحدّثت تقارير "رويترز" عن اتصالات غير مباشرة لضمان استمرار تدفق الخام لدولة الجنوب عبر خط الأنابيب، فيما نشرت "الشرق الأوسط" تحليلات حول ترتيبات مالية مؤقتة بين الطرفين لموضوع جنود اليمن ورسوم بترول الجنوب.

موضوع الأسرى والمسجونين من الأهمية بمكان، ففي كل أسرة أفراد مع هذا الطرف أو ذاك ولا يعرفون عنهم شيئًا، وبعضهم تم أسره منذ اليوم الأول في الحرب.

هذه المشاهد المتناثرة، حين تُجمع، ترسم لوحةً غريبة، طرفان يتقاتلان بضراوة في كردفان ودارفور والنيل الأزرق... وغيرها، لكنهما يجلسان في الوقت نفسه لتبادل الأسرى، ولحماية خط النفط، ولتنظيم ملفات مالية خارج الحدود. كأن الحرب نفسها ليست سوى طبقة عليا من صراعٍ أعمق، بينما تحتها تجري حياةٌ سفلية أخرى، حياةٌ فيها تفاوض وتفاهم ومصالح مشتركة، فربما الأمر يثير الدهشة للكثيرين لكنه الواقغ الخفي. لكن السؤال الذي ينهض من بين الركام هو: لماذا لا يواصل الطرفان هذا النوع من التعاون في حماية المدنيين ووقف الحرب نفسها؟

الإجابة ليست بسيطة، لكنها واضحة لمن يتأمل المشهد. فالتعاون في الأسرى والنفط والرواتب للجنود، يمنح الطرفين مكاسب مباشرة، تحسين الصورة الدولية، حماية الموارد المالية، الحفاظ على علاقات إقليمية. أما التعاون لوقف الحرب، فهو تعاونٌ يطلب منهما أن يتخليا عن جزءٍ من سلطتهما، وأن يعترفا بأن الحرب لم تعد طريقًا إلى النصر، بل طريقًا إلى الهاوية. وقف الحرب يعني أن يسأل كل طرف نفسه، من يحكم السودان؟ من يسيطر على الخرطوم؟ ما هو شكل الجيش؟ والنظام السياسي؟ وهذه أسئلة وجودية لا تُحسم على طاولةٍ صغيرة، بل على خرائط النفوذ والدم وتحتاج لخارطة سياسية ومشاركة المدنيين، وأن يفقد الطرفان المجرمان سلطتهما وتسلطهما.

ثم إن الثقة بين الطرفين مكسورة. كل طرف يرى الآخر تهديدًا وجوديًا لطموح جنرالين أغرقا البلاد في حرب لا تبقي ولا تذر. وكل خطوة نحو وقف الحرب تبدو، في نظرهما، خطوة نحو خسارةٍ أكبر. يضاف إلى ذلك أن بعض القوى الإقليمية تشجع التعاون المحدود، لكنها لا تدفع نحو تسوية شاملة، خشية من أن ينتصر طرفٌ واحد. أما المجتمع الدولي، فهو يدير الأزمة ولا يحلّها؛ يضغط لتبادل الأسرى وفتح ممرات إنسانية، لكنه لا يفرض وقفًا شاملًا لإطلاق النار.

وهكذا يصبح المدنيون ووقف الحرب نفسها خارج معادلة المصالح. حمايتهم لا تمنح الطرفين مالًا ولا نفوذًا ولا علاقات جديدة. بل قد تفتح الباب لمساءلة، أو تفرض على الطرفين الاعتراف بجرائم وانتهاكات. ومع ذلك، فإن التجارب الدولية تُظهر أن حماية المدنيين يمكن أن تتحول إلى مصلحة مشتركة إذا ارتبطت بتخفيف الضغط الدولي، أو تحسين صورة الطرفين، أو ضمان استمرار الدعم الإقليمي، أو تجنب الانهيار الكامل للدولة.

في النهاية، يبدو السودان وكأنه يعيش حربين في آنٍ واحد، حربًا سياسية شرسة، وتفاهمًا تقنيًا تحت الطاولة. تفاهمات النفط والأسرى والرواتب ليست مشروعًا لإنهاء الحرب، بل أدوات لإدارة الحرب بأقل تكلفة على مصالح الأطراف المتحاربة. لكن إدخال حماية المدنيين ضمن هذا النمط من التعاون ليس مستحيلًا؛ بل يتطلب فقط أن تتحول حماية المدنيين من عبءٍ سياسي إلى مصلحةٍ مشتركة، وهو ما قد يحدث حين تتغير موازين القوى، أو يشتد الضغط الدولي، أو تظهر ترتيبات جديدة تضمن للطرفين مكاسب في مرحلة ما بعد الحرب، وأيضًا إذا أصبح وقف الحرب مصلحة مشتركة للطرفين سوف تقف أو إذا جف الدعم الخارجي وحدث توازن الإرهاق.

وهكذا يصبح السؤال الحقيقي ليس لماذا لا يتعاون الطرفان لحماية المدنيين، بل متى يصبح وقف الحرب نفسه جزءًا من مصالحهما. وعندها فقط، يمكن أن تتوقف المدافع، ويعود السودان إلى الحياة التي يستحقها عبر حكم مدني ديمقراطي، يسكت صوت البنادق والبيادق التي تأتمر بأطراف خارجية ويبعد العقل العسكري من إدارة الصراع السياسي، فبدون ذلك لا حلًّا لمشكلة السودان.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...