عبدالله برير

في العام 2010، سألتُ الشاعر الكبير والصديق مدني النخلي في حوار: لماذا يدعو النخلي في قصائده إلى ثقافة الحزن؟ وما سرّ تلون الأغنية السودانية بالبكائية؟ اندهش النخلي وقال لي: كنت أتوقع أن يكون أول سؤال في الحوار عن النشأة… إلخ. فقلت له إن هذه التقليدية عفا عليها الزمن.

المهم، قال مدني إنه لم يكتب عن الحزن بحد ذاته، وإنما عبّر عن مشاعر الآخرين، وأضاف أن السودانيين هم أول من بدأوا الحزن، ثم تلاهم الهنود.

نص رد النخلي:

لماذا يدعو مدني النخلي في قصائده إلى ثقافة الحزن؟

أنا لم أدعُ إلى ثقافة الحزن، بل كتبت عن الحزن، وهو عاطفة هدّامة. من الصعب عليك أن تدعو شخصًا ما ليقاسمك حزنك أو يتقمّص إحساسك. الكتابة عن الحزن هي حالة تعبير عن مكنون الذات. ورغم البكائية التي تعتري كتاباتي، إلا أن هنالك علامات بارزة عن الفرح، على شاكلة "فرحانة بيك كل النجوم"، و"كمّلت بيك الأغنيات"، و"لو حتى بإيدك"، والأخيرة لخالد الصحافة. هنالك أيضًا "واقف براك والهم عصف"، وهي دعوة للاحتفاء بالآخر.

ما سرّ تلون الأغنية السودانية بالبكائية؟

البكائية تعبير عن الواقع المعاش. الوطن لم يستطع تحقيق حالة استقرار لشخص يحلم بالحبيبة والزواج. الواقع الآن أشدّ حزنًا. تقريبًا نحن كسودانيين من بدأنا الحزن، ويأتي بعدنا الهنود.

انتهى حديث النخلي.

هل نحن كسودانيين "مازوخيون" نتلذذ بتعذيب ذواتنا عبر اجترار قصائد الحزن والأسى والألم والفراق والمأساة؟ أغلبنا، حينما تسأله عن أغنيته المفضلة، يختار "الحزن القديم" أو "أرحل" لوردي، و"الحزن النبيل" لمصطفى، و"عشرة الأيام" لعثمان حسين، و"الحب والظروف (ما ممكن تسافر)" لود الأمين، أو "ما تشيلي هم" لمحمود عبد العزيز. ونجد أنفسنا نهيم مع أغنيات الطيب عبد الله وهاشم ميرغني والنور الجيلاني. لماذا، يا ترى، كل هذا الشجن؟

الشاعر والدرامي الراحل محمد محيي الدين حكى لي قصة مع والدته، رحمها الله، حين سمعته يشغّل أغنية لمصطفى سيد أحمد، فقالت: "الراجل دا تاعب رقبتو كدي فوق شنو؟".

وقد قال مصطفى سيد أحمد مرارًا وتكرارًا عن مشروعه إن رؤيته لا تُبنى على غناء راقص ووسائد للخدر اللذيذ، بل على تناول ما يعانيه الناس. ولعل هذا ما يقودنا إلى التساؤل: هل نحن كسودانيين "مازوخيون" نتلذذ بتعذيب ذواتنا عبر اجترار قصائد الحزن والأسى والألم والفراق والمأساة؟ أم أن واقع البلد، وما اعتراه طيلة عمره، ساهم في ترسيخ حالة الحزن والكآبة، حتى باتت الأغنيات الحزينة معادلًا موضوعيًا لما يعيشه الناس؟ وربما تكمن الإجابة في أن نصف الشعب "مشوكس"، يجد في الشجن الغنائي تعبيرًا عن أوجاعه، وملاذًا يلوذ به أمام واقع لم يستطع، في كثير من الأحيان، أن يمنحه الاستقرار والفرح.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...