طاهر المعتصم

في اللحظة التي يقترب فيها السودان من دخول عامه الرابع من الحرب، تبدو قضية بناء جيش وطني مهني ومحترف، واحدة من أولى أولويات الساعة، بل ربما من أهم شروط إنهاء الحرب واستعادة الدولة. فالسودان لا يستطيع أن يستعيد عافيته بينما تتكاثر مراكز القوة المسلحة، وتتمدد الحركات والتشكيلات العسكرية، ويتحول حمل السلاح من استثناء فرضته ظروف الحرب إلى قاعدة سياسية وأمنية جديدة.

المشهد الراهن يشبه، في بعض جوانبه، حالة من "التوالد الأميبي" لمراكز السلاح؛ مجموعات تتشكل، وأخرى تنقسم، وحركات تلتحق، وأخرى تعيد تعريف نفسها، فيما تتداخل الولاءات السياسية والعسكرية بصورة تهدد فكرة الدولة ذاتها. وليس المقصود هنا إدانة كل من حمل السلاح دفاعًا عن موقف أو منطقة أو قضية، وإنما إدراك حقيقة بسيطة: لا يمكن لدولة أن تستقيم بوجود جيوش متعددة، مهما كانت دوافع نشأتها.

وفي الاتجاه الآخر، يبرز خطر لا يقل خطورة، يتمثل في محاولة إعادة عقارب الساعة إلى الوراء عبر توظيف المؤسسة العسكرية في الصراع السياسي. فالتاريخ السوداني الحديث يقدم درسًا قاسيًا في كُلفة تداخل التنظيمات السياسية مع القوات المسلحة، خصوصًا منذ انقلاب الثلاثين من يونيو 1989، حين تحولت المؤسسة العسكرية إلى أداة لحماية نظام سياسي استمر ثلاثة عقود.

وفي هذا السياق، تكتسب إفادات محمد سيد أحمد الجاكومي، التي نشرها موقع "المحقق"، أهمية خاصة؛ إذ قال إن الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان أبلغه بأن مجموعات من المؤتمر الوطني المحلول قامت، بحسب ما كشفه له، بأكثر من عشر محاولات انقلابية، محذرًا من تكرار مثل هذه المحاولات أو حتى التهديد بها. ومهما كان تقييم هذه الإفادة، فإنها تكشف عن بقاء هاجس الانقلاب حاضرًا في المشهد السياسي والعسكري، وعن أن السودان لم يغادر بعد مربع الصراع على الدولة من داخل مؤسساتها.

فالخروج من دائرة الحرب والانقلابات لا يكون باستبدال بندقية ببندقية، أو انقلاب عسكري بآخر، وإنما بإعادة بناء قواعد الدولة نفسها، بحيث يصبح السلاح حصرًا في يدِّ مؤسساتها، وتصبح السياسة طريقًا إلى السلطة، لا وسيلة لتبرير الاستيلاء عليها.

والدرس الأهم هنا أن إصلاح القطاع الأمني والعسكري ليس بندًا فنيًا يمكن تأجيله إلى ما بعد انتهاء الحرب، وإنما هو مشروع دولة وأحد شروط السلام المستدام. والمطلوب جيش واحد، قومي، مهني، حديث، يخضع للسلطة المدنية الدستورية، ولا يكون حزبًا سياسيًا، ولا حارسًا لمشروع أيديولوجي، ولا ساحة نفوذ لأي تنظيم.

جيش بهذه المواصفات لا ينتقص من المؤسسة العسكرية، بل يعيد إليها مكانتها الطبيعية. فهو الجيش الذي يحمي الحدود والسيادة، لا الذي يصنع الحكومات، ويحمي الدستور، لا الذي يختار السلطة. وهو الذي يحارب حين تكون الحرب ضرورة وطنية، لا حين تصبح السياسة عاجزة عن الوصول إلى اتفاق.

والسودان اليوم أحوج ما يكون إلى هذا الجيش، ليس فقط لإنهاء الحرب التي دخلت عامها الرابع، وإنما لحماية حدوده ومصالحه في محيط إقليمي شديد السيولة، من القرن الأفريقي إلى ليبيا والبحر الأحمر. فالدولة التي تملك حدودًا بهذا الاتساع، وتحيط بها أزمات وصراعات وتحولات أمنية متسارعة، لا تستطيع أن تؤدي واجباتها بجيش منقسم أو جيوش متنافسة.

ولهذا فإن الإصلاح الأمني والعسكري يجب ألا يُختزل في دمج قوات هنا أو ترتيب أوضاع هناك. إنه عملية تأسيس جديدة لعلاقة السلاح بالدولة والسياسة والمجتمع؛ تبدأ بتوحيد المؤسسة العسكرية، وتنتهي بجيش قومي محترف، عقيدته حماية الوطن والدستور، لا حماية حزب أو جماعة أو شخص.

إن إصلاح الجيش وتوحيد السلاح تحت راية الدولة ليسا ترفًا سياسيًا، وإنما هما واجب الساعة. فالسودان يحتاج إلى جيش واحد يحمي دولة واحدة، لا إلى جيوش تتنازع دولة لم تعد تحتمل مزيدًا من الانقسام.

وفي تقديري، فإن الطريق إلى السلام المستدام يبدأ من هذه القاعدة البسيطة: لا دولة بلا جيش وطني، ولا جيشًا وطنيًا بلا مهنية، ولا مهنية بلا إبعاد المؤسسة العسكرية عن السياسة، ولا ديمقراطية إذا ظل السلاح طريقًا إلى السلطة.

التعليقات (0)

أضف تعليقاً

جاري التحميل...