محمد الأمين عبد النبي
يشهد الشرق الأوسط مرحلة من إعادة تشكيل منظومة الأمن والتحالفات والمصالح، فرضتها تصاعد الأزمات، وصعود قوى إقليمية تسعى إلى تنويع شراكاتها وتعزيز أمنها. ولم تعد المنطقة تتحرك وفق محاور ثابتة، بقدر ما تتشكل فيها شبكات من المصالح والتعاون والشراكات المتقاطعة. وفي خضم هذا المشهد، تتبلور استراتيجيات مختلفة للقوى الإقليمية، بينما يجد السودان نفسه في قلب هذه التحولات، باعتباره جزءًا من معادلة الأمن والاستقرار في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
تبدو السعودية من أكثر الدول اهتمامًا بإعادة تطوير مقاربتها للأمن الإقليمي. ولذلك تتجه الرياض نحو تعزيز الشراكات، بما تتكامل فيه العلاقات الدفاعية مع الدبلوماسية. ويأتي التقارب السعودي مع تركيا وباكستان، وما ارتبط به من اتفاق، في سياق أوسع لإعادة بناء منظومة من الشراكات التي تسهم في تعزيز الاستقرار.
أما مصر، فتتحرك وفق مقاربة تقوم على الاتزان الاستراتيجي؛ فهي تحرص على الحفاظ على علاقات متوازنة مع القوى الكبرى، وتدير في الوقت نفسه شبكة متداخلة من العلاقات مع دول المنطقة، بما يحافظ على هامش واسع من الحركة في سياستها الخارجية، مع الاحتفاظ بتعريف واضح لمصالحها وأولويات أمنها الوطني.
وفي المقابل، تطور الإمارات نموذجًا يقوم على توظيف الأدوات الاقتصادية والتنموية والتجارية، إلى جانب الشراكات والحضور الدبلوماسي والأمني، لتعزيز علاقاتها الإقليمية والدولية. ويجعل هذا الحضور الإمارات لاعبًا مهمًا في المجال الممتد من الخليج إلى البحر الأحمر وشرق أفريقيا، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية والأمنية والجيوسياسية.
ولا يكتمل مشهد إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية من دون الإشارة إلى أدوار قوى أخرى، في مقدمتها تركيا وإيران وإسرائيل. فتركيا تعزز حضورها الإقليمي عبر شبكة متنامية من الشراكات السياسية والاقتصادية والأمنية، بينما تظل إيران وإسرائيل طرفين مؤثرين في معادلات الأمن الإقليمي، بحكم موقعهما ودورهما في التفاعلات الاستراتيجية في المنطقة. وتعكس هذه الأدوار مجتمعة انتقال المنطقة نحو نظام أكثر تعددًا في مراكز القوة، وأكثر اعتمادًا على توازن المصالح والشراكات.
وفي قلب هذه التوازنات يقف السودان باعتباره الحلقة الأكثر حساسية. فموقعه على البحر الأحمر، وحدوده، ومحيطه العربي والأفريقي، إلى جانب موارده الزراعية والمعدنية وموانئه، تجعل استقراره جزءًا من معادلة الأمن الإقليمي.
وقد تتفق الدول الإقليمية على أهمية استقرار السودان، لكنها لا تتطابق بالضرورة في تصور الطريق الذي يقود إلى هذا الاستقرار، أو في ترتيب الأولويات والمصالح المرتبطة به. ومع استمرار الحرب، يصبح السودان أكثر عرضة للتحول من دولة مأزومة إلى ساحة تتقاطع فيها المصالح، بما يجعل الوصول إلى تسوية وطنية أكثر تعقيدًا وصعوبة.
ومن هنا، فإن المصلحة السودانية تكمن في استعادة المبادرة الوطنية وبناء سياسة خارجية تقوم على التوازن الإيجابي، من خلال إقامة علاقات جيدة ومتوازنة، بما يحفظ المصالح السودانية ويعزز التعاون الإقليمي، دون أن يصبح السودان جزءًا من ترتيبات تتعارض مع مصالحه.
فالشرق الأوسط يعيد تشكيل توازناته، والسودان يغرق في حرب عبثية تحد من فاعليته في المشهد الإقليمي، وتضعف قدرته على توظيف موقعه الجغرافي وموارده لخدمة مصالحه الوطنية.
إن إنهاء الحرب، والحفاظ على وحدة الدولة، وبناء جيش وطني واحد، واستعادة الحكم المدني الديمقراطي، وتحويل البحر الأحمر من ساحة للتنافس إلى مجال للتعاون، تعتبر شروطًا أساسية لإعادة تعريف موقع السودان في الإقليم. وعندها يمكن للسودان أن ينتقل من كونه موضوعًا في الاستراتيجية الإقليمية إلى طرف فاعل فيها، ومن ساحة تتقاطع فيها المصالح إلى دولة تمتلك قرارها الوطني، وتوظف موقعها الجيوسياسي لخدمة مصالحها ومصالح محيطها.




التعليقات (0)
جاري التحميل...