سامي طيب الأسماء
سألتني د. منى الفاضل عندما استضافتني على منصتها "بودكاست بت أم در" عن توقعاتي للسودان بعد انتهاء الحرب؛ قلت:" أخشى أنَّ الحرب الحقيقية لم تبدأ بعد"!
نعم أتمنى أن تكون توقعاتي بعيدةً عن الحقيقة، وأتمنى أن تنتهي الحرب قبل أن تتحقق أسوأ كوابيسنا "الحرب الأهلية الشاملة".
تفزعني هذه الأيام حركة التجييش الشاملة باسم القبيلة والعنصر والجهة، لم يكتف الناعقون بخطابات الكراهية الممتلئة غلاً وحقداً، التي لن يهنأ لها بال حتى يفنى هذا الشعب عن آخره.
عندما تختفي الدولة، وتضمحلُّ مؤسساتها، وتعجز عن حماية أرضها وشعبها، تملأ القبيلة هذا الفراغ؛ لأنها اكتسبت البعد القيمي في حماية منسوبيها، وهذا ما أشار إليه المفكر العراقي "علي الوردي"، وأوضح كيف أنَّ غياب الدولة القوية يُعيد المجتمع فوراً إلى الاحتكام للعرف القبلي، والعصبيات المتناحرة؛ لذا ليس من المستغرب أن تتعالى أصوات القبائل التي استرضتها حكومة البشير حينما جعلت لكل قبيلة ولاية، ولكل فخذ محلية، والآن يريدون أن يصنعوا لكل قبيلة مليشيا محكومة برابطة الدم والقرابة والولاء الشخصي، ولتذخب الدولة إلى الجحيم.
إنَّ دعاوى العنصرية والقبلية التي وصفها سيد الأنبياء والرسل محمد (ﷺ) بأنَّها منتنة، وأنَّها من دعاوى الجاهلية الأولى، وأعتقد أننا نعيش اليوم في السودان حالة يمكن أن أسميها "الجاهلية الحديثة"، ولا أقصد بالجاهلية هنا مرحلة تاريخية بعينها، وإنما أقصد حالة من التراجع في منظومة القيم، حين تتقدم العصبية على العقل، ويتراجع الانتماء الوطني أمام الولاءات القبلية والجهوية؛ إنَّ أخطر ما تفرزه حالة الجاهلية الحديثة هو الانقلاب في منظومة القيم، حيث يتراجع الانتماء للوطن لصالح العصبيات الضيقة.
بعض أبناء بلادي الذين فشلوا في صناعة وطن نجحوا في صناعة الخوف وبثه في صدور الشعب؛ فما نشهده اليوم من استنفار قبلي وتجييش اجتماعي يقوم، في جانب منه، على استثمار الخوف الوجودي لدى الجماعات، وتصوير الصراع وكأنَّه معركة من أجل البقاء، لا خلاف سياسي أو صراع على السلطة يمكن معالجته بالحوار والحلول الوطنية.
بات السودانيون اليوم أكثر استعداداً للانخراط في الصراع، والقبول بما كانوا يرفضونه في الظروف الطبيعية، فطائر الشؤم ينعق أن هلموا إلى القتال فوجودكم مهدد قبيلةً وعنصراً وهويةً ومستقبلاً.
إنَّ الجاهلية التي نعيشها اليوم ربما لا تبقي لنا وطناً نتخاصم حوله، ولا قبيلةً نتداعي للذبِّ عن حياضها، ولا مستقبلاً نحلم بظلاله وثماره.
في الجاهلية كان وأد البنات خوفاً من العار عُرفاً بين بعض القبائل، والآن ابتدعنا في جاهليتنا المستحدثة (وأد بنات الأفكار)، نئد الفكرة قبل أن تولد فكلُّ مفكر يبحث عن الحلِّ يُخوَّن ، ونحاصر الرأي قبل أن يُناقش فكل لسانٍ ينطق بالحق يدان، ونشكك في صاحب المشروع قبل أن نختبر مشروعه فكلُّ مبادرة تسعى إلى حقن الدماء تحاصر قبل أن تبدأ، وننظر إلى الأفكار من خلال انتماءات أصحابها، لا من خلال قيمتها وقدرتها على الإسهام في معالجة أزمات الوطن.
أعتذر هنا إن شبَّهت عصرنا الحالي بالجاهلية، وأعتذر فقد كانوا أكثر حنكةً منَّا، وأعمق فكراً وحكمة؛ فعندما اختلفت قبائل قريش حول شرف وضع الحجر الأسود في موضعه عند إعادة بناء الكعبة، وكاد الخلاف يتحول إلى صراع، جاءت الحكمة على يد محمد بن عبد الله ﷺ، قبل بعثته، حين وضع الحجر في ثوب، وطلب من ممثلي القبائل أن يمسك كلُّ منهم بطرف منه، حتى إذا رفعوه جميعاً وضعه بيده الشريفة في مكانه.
تأملوا معي هذه الصورة، نحن الذين ندَّعي الشرف الباذخ، نحن الذين تخرج بعضنا في "السوربون وأكسفورد"، وربما "هارفارد"، أمَّا نحن، وبعد كل هذا التاريخ الطويل من التجارب والمعرفة والتعليم، فما زلنا نعجز عن الاتفاق على حمل وطن! لا لنتقاسم شرف حمل الحجر الأسود ولكن لنتحمل مسؤولية البناء، وإيقاف سلسال الدم.
يجب أن نخرس الآن كافة الألسن التي تدعونا بدعوى الجاهلية، يجب أن ندرك أنَّ الخروج من أتون "الجاهلية الحديثة" في السودان لا يمكن أن يتمَّ عبر تسويات سياسية هشة تعيد تدوير الأزمات، ولكن يتطلب مشروعاً وطنياً جامعاً يعيد الاعتبار لمفهوم الدولة ومؤسساتها. إنَّ استعادة سيادة القانون، وبناء جيش مهني قومي واحد، وترسيخ ثقافة المواطنة المتساوية التي لا تفرق بين مواطن وآخَر إلَّا بعمله وكفاءته، هي السبيل الوحيد لهدم جدران العصبيات وبناء سودان يسع الجميع.




التعليقات (0)
جاري التحميل...